هبة زووم – متابعة
رغم المكانة الاقتصادية التي تحتلها جهة طنجة تطوان الحسيمة باعتبارها إحدى أكبر الأقطاب الصناعية والاستثمارية بالمملكة، فإن الوجه الآخر لهذا النمو، وفق ما تؤكده الكتابة الجهوية للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، يكشف عن واقع اجتماعي مقلق تعيشه فئات واسعة من العاملات والعمال، في ظل استمرار التشغيل الهش، وضعف الرقابة على احترام تشريع الشغل، واتساع الفجوة بين حجم الثروة المنتجة والأوضاع المعيشية للأجراء.
وفي بلاغ شديد اللهجة، رسمت النقابة صورة قاتمة عن واقع الشغل بالجهة، معتبرة أن آلاف العمال، خاصة داخل قطاعات صناعة السيارات والكابلاج والمناطق الصناعية الحرة، يعيشون تحت رحمة عقود محددة المدة وعقود المناولة التي يتم، بحسب البلاغ، اللجوء إليها خارج الحالات التي يسمح بها القانون، بما يحرم الأجراء من الاستقرار المهني ويجعل مستقبلهم الوظيفي رهيناً بقرارات قد تكون تعسفية.
ولم يتوقف البلاغ عند هشاشة التشغيل، بل سلط الضوء على ما وصفه بخروقات تمس الحقوق الاجتماعية للأجراء، من خلال استمرار ممارسات تتعلق بالتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأجور تقل عن الأجور الحقيقية أو بعدد أيام عمل أقل من الواقع، وهو ما ينعكس، حسب النقابة، على حقوق العمال في التقاعد والتغطية الصحية والتعويضات الاجتماعية.
وأبرزت الكتابة الجهوية أن قطاع الكابلاج وصناعة مكونات السيارات يعيش بدوره أزمة متفاقمة، انعكست في تزايد مغادرة العمال لمناصبهم، نتيجة تدني الأجور مقارنة بغلاء المعيشة، وارتفاع وتيرة الإنتاج، واستمرار أنماط تشغيل لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار المهني، معتبرة أن هذا الواقع يفرض مراجعة شاملة لسياسات التشغيل والأجور داخل أحد أهم القطاعات الصناعية بالجهة.
كما عبرت النقابة عن قلقها من استمرار ما وصفته بحملات التضييق على العمل النقابي داخل عدد من المؤسسات الصناعية، خاصة بالمنطقة الصناعية الحرة بطنجة، مشيرة إلى أن تأسيس المكاتب النقابية أصبح، وفق البلاغ، سبباً في تعرض عدد من الأجراء للطرد أو الضغوط والترهيب، في ممارسات اعتبرتها منافية للدستور ومدونة الشغل والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالحريات النقابية.
وسجلت الهيئة النقابية كذلك ما اعتبرته تماطلاً من بعض السلطات الإدارية في تسلم ملفات تأسيس وتجديد المكاتب النقابية وتسليم وصولات الإيداع القانونية، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تمس بمبدأ المشروعية وتقوض أسس دولة الحق والقانون.
وفي المقابل، حملت النقابة الجهات المختصة مسؤولية ما وصفته باستمرار الإفلات من المساءلة في ملفات الطرد التعسفي والاستهداف النقابي، مطالبة بفتح تحقيقات عاجلة، وإرجاع جميع المطرودين بسبب نشاطهم النقابي، مع تفعيل دور جهاز تفتيش الشغل وتمكينه من الوسائل الكفيلة بفرض احترام القانون.
ودعت الكتابة الجهوية إلى الحد من الاستعمال غير المشروع لعقود الشغل محددة المدة وعقود المناولة، وتشديد المراقبة على التصريح الحقيقي بالأجور لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإلزام المقاولات باحترام شروط الصحة والسلامة المهنية، إلى جانب مراجعة منظومة الأجور، خاصة في قطاع الكابلاج، بما ينسجم مع غلاء المعيشة وحجم الأرباح التي تحققها الشركات.
ويعيد هذا البلاغ النقابي إلى الواجهة النقاش حول مدى استفادة الطبقة العاملة من الدينامية الاقتصادية التي تعرفها جهة طنجة تطوان الحسيمة، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان الحقوق الاجتماعية، بما يكرس مبادئ العدالة الاجتماعية والعمل اللائق، ويجعل التنمية الاقتصادية رافعة حقيقية لتحسين أوضاع العاملات والعمال، لا مجرد مؤشرات اقتصادية لا تنعكس على واقعهم اليومي.
تعليقات الزوار