هبة زووم – طنجة
يبدو أن شعار “السوق النموذجي” بحي مسنانة بمدينة طنجة لم يعد يعكس، وفق ما تنقله إفادات عدد من المواطنين والتجار، حقيقة ما يجري على الأرض. فالمرفق الذي يفترض أن يكون عنواناً للتنظيم ومحاربة التجارة العشوائية، تحولت جنباته ومحيطه إلى فضاء مفتوح أمام احتلال الملك العمومي، وانتشار الباعة خارج الأماكن المخصصة لهم، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول من يراقب، ومن يتدخل، ومن يتحمل مسؤولية هذا الانفلات.
المفارقة هنا صارخة: كيف يمكن لسوق أن يوصف بالنموذجي، بينما الأرصفة المحيطة به تتحول إلى امتداد للفوضى؟
المشهد، بحسب شهادات من عين المكان، لم يعد يتعلق بحالات عرضية أو تجاوزات محدودة، وإنما بتمدد واضح للسلع والبضائع فوق الأرصفة والممرات المخصصة للراجلين، بما يفرض على المواطنين البحث عن منافذ للمرور وسط الزحام، ويزيد من الضغط على حركة السير والجولان، خصوصاً خلال فترات الذروة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: أين هي المراقبة؟ لأن احتلال الملك العمومي لا يحدث في لحظة واحدة، ولا ينمو بين عشية وضحاها، إنه يبدأ بتجاوز صغير، ثم يتوسع تدريجياً عندما لا يجد الردع الكافي، قبل أن يتحول إلى واقع مفروض يصعب اقتلاعه.
وهنا تكمن خطورة الوضع، فإذا كانت السلطات المحلية تملك من الصلاحيات والوسائل ما يسمح لها بتنظيم الفضاء العمومي ومراقبة احترام القواعد، فإن استمرار مظاهر الفوضى بهذا الشكل يستوجب تقييماً حقيقياً لما يجري، بدل الاكتفاء بالتدخلات الظرفية التي قد تعطي الانطباع بوجود معالجة، بينما تعود الاختلالات بمجرد انتهاء الحملات.
الأمر لا يتوقف عند الأرصفة والسلع المنتشرة في كل مكان. فالسكان يتحدثون أيضاً عن تراجع الإحساس بالأمن بمحيط السوق، وعن شكايات مرتبطة بالنشل والسرقة وبعض السلوكات التي تثير القلق.
وهذه المعطيات، إن ثبتت ميدانياً، تستوجب التعامل معها بمنتهى الجدية، لا سيما أن الفوضى التجارية، والازدحام، وضعف الإنارة في بعض النقاط، كلها عناصر قد تزيد من هشاشة الفضاء العام وتضاعف مخاوف المواطنين.
لكن من غير المقبول أيضاً تحويل هذه الشكايات إلى أحكام مسبقة على أشخاص أو فئات بعينها. المطلوب هو **تشخيص ميداني دقيق** يحدد مكامن الخلل، ويفصل بين النشاط التجاري المشروع وبين الممارسات المخالفة، ويحدد المسؤوليات لدى مختلف المتدخلين.
فالضرر لا يلحق بالساكنة وحدها، بل يطال أيضاً التجار الذين اختاروا احترام التنظيم ودفع ما عليهم من مستحقات، ثم يجدون أنفسهم في مواجهة منافسة غير متكافئة من أنشطة تمارس خارج الإطار المنظم.
وهنا تعود المفارقة إلى الواجهة: إذا كان الهدف من إنشاء السوق النموذجي هو إدماج التجارة في إطار منظم ومحاربة العشوائية، فكيف يُسمح للعشوائية نفسها بأن تنبت حوله وتتمدد؟
إن استمرار هذا الوضع، إذا تأكد، يعني عملياً إفراغ فكرة السوق النموذجي من مضمونها، وتحويل المشروع من أداة لتنظيم المجال التجاري إلى مجرد بناية محاطة بفوضى تجارية متنامية.
والمطلوب اليوم ليس حملة استعراضية تلتقط فيها الصور ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده، وإنما عملية تنظيم مستدامة تبدأ بتحرير الملك العمومي، وتحديد المسؤوليات، وتنظيم الباعة، وتوفير بدائل قانونية عند الحاجة، ثم ضمان مراقبة مستمرة تمنع عودة الفوضى.
كما أن الملف الأمني يحتاج إلى معالجة موازية، من خلال تعزيز الدوريات في محيط السوق، وتقييم الإنارة العمومية، ودراسة إمكانية اعتماد وسائل مراقبة قانونية وفعالة، خصوصاً في النقاط التي تسجل فيها شكايات متكررة.
أما على المستوى الإداري، فإن الكرة توجد اليوم في ملعب السلطات المحلية والجماعة والمصالح الأمنية وكل المتدخلين في تدبير هذا المجال.
وبينما تستعد طنجة لتعزيز مكانتها كمدينة كبرى وواجهة سياحية واقتصادية للمغرب، فإن استمرار مظاهر الفوضى في أحياءها لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً هامشياً.
فالمدينة التي تراهن على صورة حديثة وجاذبة للاستثمار والسياحة لا يمكن أن تقبل بوجود فضاءات تتحول فيها الأرصفة إلى أسواق عشوائية، ويصبح المواطن فيها مضطراً إلى التعايش مع الفوضى باعتبارها أمراً واقعاً.
ومن هنا، تتجه أنظار الساكنة إلى والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، باعتباره المسؤول الترابي الأول، من أجل الوقوف ميدانياً على حقيقة الوضع، وتحديد مكامن الخلل، وإعطاء التعليمات اللازمة لتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.
فالوالي التازي ليس مطالباً فقط بأن يعرف ما يحدث في طنجة، بل بأن يضمن ألا تتحول الاختلالات التي يعرفها المسؤولون المحليون إلى أزمات لا تصل إلى مكتبه إلا بعد أن تصبح مستعصية على الحل.
والمطلوب ليس استهداف الباعة أو خنق النشاط التجاري، وإنما فرض قاعدة بسيطة: **الفضاء العام للجميع، والقانون فوق الجميع، أما أن يتحول السوق النموذجي إلى نقطة سوداء بسبب تمدد العشوائية حوله، فذلك ليس مجرد خلل في الأرصفة أو في حركة المرور، بل مؤشر على خلل أعمق في منظومة المراقبة والتدبير.
وفي انتظار تدخل ميداني حازم، يبقى السؤال الذي يطرحه سكان مسنانة مشروعاً: من سمح لهذه الفوضى بأن تكبر؟ ومن سيضع لها حداً قبل أن تتحول إلى أمر واقع دائم؟