هبة زووم – محمد خطاري
في مدينة الرشيدية، حيث تنتظر الساكنة من ممثليها المنتخبين أن يكونوا صوتاً للمواطن ويداً للعمران، يخرج المستشار الألمعي، نائب رئيس الجماعة والمفوض له قطاعا النظافة والمساحات الخضراء، في شريط فيديو ليرد على الاتهامات.
لكن بين “خطاب الدفاع” و”واقع الميدان”، تبرز فجوة شاسعة تعكس أزمة تدبير حقيقية تهدد المصلحة العامة وتُضعف الثقة في المؤسسات المحلية.
ويؤكد المستشار الألمعي أن “دكاناً فُوِّتَ له في قلب السوق تكريماً على خدمة ثقافية قدمها” للعامل المذكوري، لكن هذا التبرير، بدلاً من أن يُزيل اللبس، يزيده تعقيداً.
فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ما هي طبيعة هذه “الخدمة الثقافية” التي تستحق مكافأة بعقار استراتيجي في السوق؟ وكيف يمكن للمواطن العادي أن يفهم قراراً يُكافئ فيه مسؤولٌ محليٌ على “خدمة” مقدمة لمسؤول إداري، بينما تعاني المرافق العامة من الإهمال؟
إن منح عقار عمومي أو تفضيل في صفقة، حتى تحت غطاء “التكريم”، دون شفافية ودون مسطرة تنافسية، يُعدّ انتهاكاً لمبدأ المساواة في ولوج الصفقات العمومية، ويُرسّخ ثقافة “المحسوبية” التي تُضعف نزاهة التدبير المحلي.
أكثر من أربعة عقود من التواجد في دواليب المجلس الجماعي للرشيدية، لم تترك خلالها بصمة ملموسة على حياة الساكنة، باستثناء شارع مولاي علي الشريف الذي يشهد كل دورة انتخابية “تأهيلاً تجميلياً”، بينما تعيش باقي أحياء المدينة ودروبها، حسب تعبير الساكنة، “زمن البداوة والقرى”: أزقة مهملة، إنارة منقطعة، مساحات خضراء جافة، ونظافة غائبة.
هذا التباين الصارخ بين “الواجهة الانتخابية” و”واقع التدبير اليومي” يكشف عن نموذج تدبيري يركّز على “الرؤية” أكثر من “الأثر”، وعلى “الشعارات” أكثر من “الخدمات”
الواقع على الأرض لا يُكذّب: قطاعا النظافة والمساحات الخضراء يشهدان فشلاً مفضوحاً، فالخدمات التي يُفترض أن تكون “عامة ومجانية” تحوّلت إلى ما يشبه “شركة خاصة”، تُوظَّف الصفقات والتوظيفات فيها بشكل فج لتعزيز “الخزان الانتخابي” للمستشار المفوَّض.
فعندما يُوظَّف العاملون بناءً على الولاء السياسي لا الكفاءة المهنية، فإن النتيجة الحتمية هي تدهور جودة الخدمة، وهدر المال العام، واستياء الساكنة، والسؤال الجوهري: أين تذهب الأموال والموارد المخصصة لهذه القطاعات الحيوية؟ ومن يراقب هذه التدفقات المالية؟
اليوم، ينتقل السؤال من المستشار الألمعي إلى رئيس جماعة الرشيدية: هل سيظل التفويض في يد من حوّل الخدمات العامة إلى وسيلة لتعزيز نفوذه الانتخابي؟ أم سيتم سحب هذا التفويض قبل فوات الأوان، خصوصاً في ظل ضرورة إجراء مراجعة شاملة لكل الصفقات والمواقع التي أُبرمت تحت إشرافه؟
إن مبدأ “التفويض” لا يعني “التفريط في المسؤولية”، فرئيس الجماعة يبقى المسؤول الأول عن أداء مفوضيه، وعن ضمان أن تكون الإدارة المحلية أداة لخدمة المواطن، لا للابتزاز السياسي أو الانتخابي.
ما يحدث في الرشيدية ليس مجرد “خلاف محلي عابر”، بل هو نموذج مصغر لأزمة أعمق: أزمة الثقة بين المواطن والممثل المنتخب، وأزمة الحكامة في تدبير المرافق المحلية.
المواطن لا يهتم بـ”من يربح” في هذه المعارك الداخلية، بل يهتم بـ”من يضمن له نظافة حيه، ومساحة خضراء لأطفاله، وخدمة عمومية تحترم كرامته”، فعندما تتحول الإدارة المحلية إلى “سجل تجاري” يُتصرف فيه لتحقيق مصالح ضيقة، فإن الضرر لا يلحق فقط بالخدمات، بل يلحق بمصداقية المؤسسات الديمقراطية بأكملها.
لم يعد مقبولاً في المغرب اليوم أن تمرر قرارات تمنح عقارات عمومية أو صفقات تحت غطاء “التكريم” أو “الخدمة”، بينما تعاني الساكنة من تدهور الخدمات الأساسية. المحسوبية ليست “ذكاءً سياسياً”، والنفوذ الانتخابي ليس “رخصة لنهب المال العام”.
رئيس جماعة الرشيدية اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتحرك بجرأة لمراجعة التفويضات ومحاسبة المقصرين، وإما أن يتحمل المسؤولية التاريخية عن كل حي تُهمَل نظافته، وعن كل مواطن يفقد الثقة في ممثليه المنتخبين.
الرشيدية تستحق أكثر من “دكان تكريم”، والمواطن يستحق أكثر من وعود فارغة، فإما تدبير نزيه يخدم الساكنة، وإما استمرار في “النهب المقنن” الذي يُفقر الخدمات ويُثقل كرامة المواطنين.
تعليقات الزوار