هبة زووم – فاس
منذ أن باشرت الشركة الجهوية متعددة الخدمات لتدبير قطاعي الماء والكهرباء بأقاليم جهة فاس-مكناس مهامها، لم يعد الحديث في المقاهي والأسر والمجمعات السكنية يدور حول جودة الخدمة أو نجاعة التدبير، بل حول كلمة واحدة أصبحت تُثير القلق: “الفاتورة”.
فبينما تُصرّ الشركة في بلاغاتها الرسمية على أن “التعريفة لم تتغير” وأن “الفوترة تعتمد القراءة الفعلية”، يُجمع المواطنون على حقيقة ميدانية لا تقبل الجدل: الفواتير ارتفعت بشكل ملحوظ ومفاجئ منذ بداية تدبير الشركة الجديدة، ولم يعد الأمر يتعلق بحالات فردية معزولة، بل بظاهرة عامة تمس شرائح واسعة من المستهلكين.
هذا، وتكرر الشركة في كل توضيح لها أن التعريفات مُحدَّدة وطنياً وأنها لا تملك صلاحية تغييرها. هذا الكلام صحيح من الناحية القانونية، لكنه يتجاهل جوهر الشكوى.
فالمواطن لا يحتج على “التعريفة الرسمية” المنشورة في الجريدة الرسمية، بل يحتج على المبلغ النهائي الذي يُطلب منه دفعه. وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن أن تبقى التعريفة “مستقرة” بينما ترتفع الفواتير بنسب تصل أحياناً إلى 50% أو أكثر؟
الاجابة البديهية التي تقدمها الشركة – بأن الارتفاع يعود إلى “تراكم استهلاكات سابقة” أو “انتقال من التقدير إلى القراءة الفعلية” – قد تكون صحيحة نظرياً، لكنها تصطدم بواقعين لماذا تزامنت هذه “التسويات” كلها مع بداية تدبير الشركة الجديدة؟ وهل يُعقل أن تكون كل العدادات السابقة “مُخطئة” لصالح المستهلك، بينما أصبحت كل القراءات الجديدة “دقيقة” بشكل يُنتج دائماً فواتير أعلى؟ وإذا كان الأمر يتعلق بحالات فردية لعدادات معطلة أو استهلاكات متراكمة، فلماذا أصبح الارتفاع قاعدة عامة تمس أحياء كاملة ومدناً بأكملها؟
وتُشدد الشركة على أن اعتماد “القراءة الشهرية الفعلية” يضمن الشفافية. لكن هذا المبدأ النبيل يطرح بدوره أسئلة محرجة: إذا كانت القراءة السابقة “تقديرية” وغير دقيقة، فلماذا لم تُجرِ الشركة حملة استثنائية لمراجعة كل العدادات قبل بدء الفوترة الجديدة، بدلاً من تحميل المستهلك فاتورة “تسوية” قد تمتد لشهور أو سنوات؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في “دقة” القراءة الجديدة، بينما يلاحظ أن استهلاكه الفعلي لم يتغير، وأن أنماط عيش أسرته بقيت كما هي؟ وأين هي آليات الطعن المستقلة التي تسمح للمستهلك بمراجعة فاتورته أمام جهة محايدة، وليس فقط أمام نفس الشركة التي أصدرت الفاتورة؟
وقد يفهم عرض الشركة لـ”مخطط الأداء بالتقسيط” كحل اجتماعي كاعتراف غير مباشر بأن الفواتير الجديدة تُشكل عبئاً غير مسبوق على العديد من الأسر. لكن هذا الحل يطرح بدوره إشكاليات: لماذا يُطلب من المواطن “التقسيط” لسداد فاتورة قد تكون ناتجة عن خطأ في القراءة أو خلل في العداد؟ أليس من الأجدر أن تتحمل الشركة عبء الإثبات وتثبت صحة الفاتورة قبل مطالبة المستهلك بأدائها، حتى بالتقسيط؟ وكيف يمكن ضمان أن لا يتحول “التقسيط” إلى آلية لتبرير فواتير مشبوهة، بدلاً من كونه إجراءً استثنائياً لفئات هشة حقاً؟
لم يعد المواطن اليوم يقبل بـ”بلاغات جاهزة” تُكرر نفس العبارات دون معالجة جوهر الإشكال. ما ننتظره من الشركة هو: نشر بيانات مقارنة توضح متوسط استهلاك وفواتير الأحياء قبل وبعد تولي الشركة الجديدة للتدبير، مع شرح الفروقات، إطلاق حملة شفافة لمراجعة العدادات بمشاركة ممثلين عن المستهلكين والمجتمع المدني، للتأكد من دقة الأجهزة وسلامة القراءات، تفعيل آليات تظلم مستقلة تسمح للمستهلك بالطعن في فاتورته أمام جهة محايدة، مع تعليق الأداء ريثما يتم البت في الشكوى، شرح مبسط وواضح لآلية احتساب الفاتورة، مع أمثلة عملية تُساعد المواطن على فهم مكونات فاتورته والتحقق منها بنفسه، مع إعلان نتائج التحقيقات في الشكايات المتعلقة بالفواتير المرتفعة، مع ذكر نسبة الأخطاء المُكتشفة والإجراءات المتخذة لتصحيحها.
إن استمرار الشركة في الرد على انتقادات المواطنين بـ”بلاغات توضيحية” نمطية، دون معالجة جذرية لأسباب الشكوك، لن يؤدي إلا إلى تآكل الثقة بين المرفق العمومي والمواطن.
فالشفافية لا تعني فقط “نشر معلومات”، بل تعني إتاحة الفرصة للتحقق منها. والمسؤولية لا تعني فقط “معالجة الشكايات”، بل تعني منع تكرار أسبابها.
المواطن في فاس-مكناس لا يطلب امتيازات، بل يطلب فواتير عادلة وواضحة وقابلة للفهم. وإذا كانت الشركة الجديدة جادة في قطيعتها مع “ممارسات الماضي”، فلتبدأ بإثبات ذلك عبر أرقام ملموسة، وإجراءات شفافة، وحلول جذرية.
أما إذا استمرت في الاكتفاء بالخطابات الإنشائية، فإن “فواتير الصدمة” لن تكون آخر ما يخسره المواطن، بل قد تخسر الشركة معها شيئاً أثمن: ثقة من تدعي خدمتهم.
تعليقات الزوار