رضوان جيد تحت النار: عندما يتحول “فشل التحكيم” إلى “أزمة منظومة”

هبة زووم – الرباط
لم تعد عقوبة الطاقم التحكيمي لمباراة الرجاء الرياضي واتحاد طنجة مجرد “إجراء تأديبي عابر”، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لفشل ذريع في تدبير منظومة التحكيم المغربية تحت قيادة المديرية التقنية الوطنية للتحكيم، وعلى رأسها المسؤول الأول رضوان جيد.
فحين تُعاقب مديريةٌ طاقماً تحكيمياً كاملاً في قرار واحد، فإنها لا تعاقب “أفراداً مخطئين” فحسب، بل تعترف ضمناً بأن المنظومة بأكملها تعاني من خلل هيكلي.
قرار إيقاف حكم الساحة، مساعديه، وحكام “الفار” في آن واحد، يُطرح كسابقة في تاريخ التحكيم المغربي، لكن وراء “شدة” هذا القرار، يكمن سؤال محرج: إذا كان كل أفراد الطاقم قد أخطأوا، فمن الذي أعدّهم؟ ومن الذي قيّمهم؟ ومن الذي سمح لهم بإدارة مباراة حساسة بين فريقين كبيرين؟
معاقبة “الجنود” دون محاسبة “القادة” هي أسهل طريقة لـ”تلميع الصورة” دون معالجة جذور المشكل، ورضوان جيد، بصفته المسؤول الأول عن المديرية التقنية للتحكيم، يتحمل المسؤولية السياسية والمهنية الكاملة عن هذا “الانهيار التحكيمي” المتكرر.
فمنذ توليه مسؤولية المديرية التقنية للتحكيم، رفع رضوان جيد شعارات “الإصلاح”، “الشفافية”، و”تأهيل الحكام”، لكن الواقع على أرضية الملاعب يحكي قصة أخرى: أخطاء متكررة في مباريات حاسمة تُغير نتائج البطولة، تدخلات “فار” جدلية تزيد من اللغط بدلاً من حله، عقوبات انتقائية تُطال بعض الحكام بينما يُغض الطرف عن آخرين، مع غياب رؤية استراتيجية لتأهيل الحكام مغربياً وعالمياً.
والسؤال الجوهري: كيف يمكن الحديث عن “إصلاح” بينما تتفاقم الأزمات؟ وأي “مصداقية” يمكن بناءها على أساس “العقوبات فقط” دون إصلاح التكوين والتقييم والحماية؟
لا يمكن اليوم اختزال أزمة التحكيم المغربي في “أخطاء فردية” أو “يوم أسود” لحكام محددين، فالمشكل أعمق، وهيكلي، ويتعلق بتكوين غير كافٍ: هل يستفيد الحكام من برامج تأهيل مستمرة تواكب آخر تطورات قوانين اللعبة وتقنيات “الفار”؟ تقييم غير شفاف: من يُقيّم أداء الحكام؟ وبأي معايير؟ وهل تُعلن نتائج التقييمات للعموم؟ حماية ضعيفة: هل يتمتع الحكام بالحماية الكافية من ضغوط الأندية والجماهير والإعلام؟ أم أنهم يُتركون “عُزّل” أمام العاصفة؟ واستقلالية مشكوك فيها: فهل تتخذ المديرية التقنية للتحكيم قراراتها بعيداً عن أي تأثيرات خارجية؟ أم أن “حسابات المصالح” تُوجه العقوبات والتقييمات؟ وإلى حين معالجة هذه الأسئلة، ستبقى العقوبات مجرد “مسكنات” لا تُشفِي داء منظومة مريضة.
وتؤكد المديرية أن “سياسة اليد الحديدية” تهدف إلى تعزيز النزاهة والشفافية، لكن هذه السياسة تحمل في طياتها خطراً محتملاً: خوف الحكام من ارتكاب أي خطأ، مما قد يدفعهم إلى تجنب اتخاذ قرارات حاسمة خوفاً من العقوبة، أو اللجوء المفرط لتقنية “الفار” لتفادي المسؤولية الشخصية.
التحدي الحقيقي ليس في “معاقبة المخطئ”، بل في بناء ثقافة تحكيمية تجمع بين الصرامة في تطبيق القانون، والشجاعة في اتخاذ القرارات، والحماية من الضغوط، والتعلم من الأخطاء دون وصم أو إقصاء.
اليوم، لم يعد مقبولاً أن تُعالج أزمة التحكيم بـ”بلاغات تبريرية” أو “عقوبات انتقائية”. ما يحتاجه التحكيم المغربي اليوم هو: مراجعة شاملة لبرامج تكوين وتأهيل الحكام، بمشاركة خبراء دوليين، إعلان معايير التقييم ونتائجه بشكل شفاف ودوري، لتمكين الأندية والجماهير من فهم منطق العقوبات، حماية مؤسسية حقيقية للحكام من الضغوط الخارجية، مع ضمان استقلاليتهم المهنية، مع حوار مفتوح مع الأندية والصحافة والمجتمع المدني لبناء ثقة متبادلة حول مستقبل التحكيم.
ما يحدث في منظومة التحكيم المغربية ليس “أزمة عابرة”، بل هو اختبار لمصداقية الإصلاح وقدرة المسؤولين على قيادة تغيير حقيقي.
رضوان جيد والمديرية التقنية للتحكيم اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الشجاعة في الاعتراف بالأخطاء الهيكلية، وإطلاق إصلاح جذري يُعيد الثقة في التحكيم المغربي، أو الاستمرار في “سياسة المسكنات” والعقوبات الانتقائية، مما يُعمّق الأزمة ويُفقد البطولة مصداقيتها.
الجمهور ينتظر، والأندية تراقب، والكرة في ملعب من يرفع شعار “الإصلاح”، فإما أفعال تُنقذ التحكيم، وإما استمرار في “كلام الإصلاح” الذي لم يعد يصدّقه أحد، والمصداقية لا تُبنى بالعقوبات بل بالشفافية، والإصلاح لا يتحقق بالوعود بل بالأفعال.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد