هبة زووم – الرباط
لم يكن بلاغ احتجاج نادي اتحاد يعقوب المنصور مجرد رد فعل عاطفي عقب مباراة مثيرة للجدل أمام الفتح الرياضي، بل كان القشة التي قصمت ظهر البعير في مسلسل متصاعد من الشكوك حول نزاهة التحكيم المغربي، وتقنية الحكم المساعد بالفيديو (VAR)، التي تحولت من “ضامن للعدالة” إلى “مصدر للغموض والتلاعب”.
فبينما ركز البلاغ على تعطل تقنية “الفار” لمدة تقارب 35 دقيقة، فإن المتتبعين للشأن الكروي الوطني يرون أن هذا العطل التقني هو مجرد “غلاف” لأزمة أعمق، خاصة وأن يعقوب المنصور ليس الأول من نوعه، حيث سبقه نادي اتحاد تواركة إلى تفجير فضائح أكبر، متحدثاً بصراحة عن “أشياء تتم داخل غرف الفار” لتمكين فرق بعينها من حصد النقاط بعيداً عن المنافسة النزيهة.
35 دقيقة من “الانقطاع”: عطل تقني أم “ستار دخان”؟
لا يحتاج المرء إلى خبير تقني ليدرك أن تعطل تقنية حساسة مثل “الفار” لمدة 35 دقيقة خلال مباراة احترافية هو أمر غير مسبوق ومريب. ففي عالم الاحتراف، توجد خطط بديلة، وفرق دعم تقني، وإجراءات طوارئ، لكن أن تترك المباراة تتخبط في الظلام لمدة نصف شوط كامل، فهذا يطرح تساؤلات محرجة حول ما حدث فعلياً داخل غرفة الفار خلال هذه الدقائق، وهل كان العطل تقنياً بحتاً، أم أنه استُغل لمراجعة قرارات حساسة بعيداً عن أعين الكاميرات والبروتوكولات المعلنة.
فالصمت حول تفاصيل هذا “العطل” لا يُغذي فقط شكوك يعقوب المنصور، بل يصب ماءً على طاحونة الاتهامات السابقة التي أطلقها اتحاد تواركة حول “التدخلات الخفية” داخل غرف الفيديو، مما يحول التقنية من أداة مساعدة إلى “صندوق أسود” تُدار فيه النتائج بعيداً عن الملعب.
اتحاد تواركة سبق وأن فضح: “غرف الفار” ليست ملائكة!
لا يمكن اليوم فهم احتجاج يعقوب المنصور بمعزل عن السياق العام الذي فتحه نادي اتحاد تواركة سابقاًـ فقد خرج المسؤولون عن “الكتيبة الصفراء” بتصريحات نارية، أكدوا فيها أن هناك “أيدٍ خفية” تتدخل داخل غرف الفار لتوجيه قرارات معينة لصالح فرق محددة، في اتهام مباشر لنزاهة المنظومة.
واليوم، عندما يكرر يعقوب المنصور نفس النغمة، ويتحدث عن “مسلسل من القرارات المثيرة للجدل”، فإن الرسالة واضحة: الأندية لم تعد تثق في “الصندوق الأسود” للتحكيم.
فإذا كانت تقنية الفار مُعطلة، فمن يقرر؟ وإذا كانت تعمل، فمن يراقب من يراقب الفيديو؟ إن تراكم هذه الشكوك بين “تواركة” و”يعقوب المنصور” وأندية أخرى، يحول البطولة الاحترافية من “منافسة رياضية” إلى ساحة شكوك، حيث تُفسر كل نقطة تُسقط أو تُحتسب على أنها نتيجة “تدبير خلفي” لا لأداء ميداني.
رضوان جيد على المحك: الصمت يُفسر كـ”تواطؤ”
في خضم هذا الزلزال الذي يهز أركان البطولة، يبرز اسم رضوان جيد، رئيس المديرية الوطنية للتحكيم، كطرف مسؤول مباشرة عن هذا “الانهيار الثقة”.
فبينما تتصاعد احتجاجات الأندية، وتتكرر فضائح “الفار”، يبدو أن مديرية التحكيم تختار خيار “الصمت الإداري” أو “البيانات الروتينية” التي لم تعد تُقنع أحداً.
هذا الموقف يطرح أسئلة مصيرية حول لماذا لا يفتح رضوان جيد تحقيقاً شفافاً في كل حادثة مثيرة للجدل بدلاً من انتظار تراكم الملفات، وكيف يرد على اتهامات “التلاعب” التي أطلقها اتحاد تواركة ولم تُحسم إلى الآن، وأين هي الشجاعة الإدارية لإعلان أسماء الحكام الذين ارتكبوا أخطاءً جسيمة، أو تبرئتهم بشكل مقنع.
فاستمرار “الضبابية” حول قرارات التحكيم لا يحمي الحكام، بل يُعرضهم للنبذ، ويضع رئيس المديرية الوطنية في موقع “المتهم الرئيسي” أمام الرأي العام الكروي.
البطولة الاحترافية بين “النزاهة” و”المصالح الخفية”
إن ما يحدث اليوم يتجاوز “أخطاء بشرية” قد تقع في أي مباراة، ليدخل في خانة “أزمة مصداقية وجودية”، فعندما تعلن أندية محترمة مثل يعقوب المنصور وتواركة عن شكوكها في نزاهة المنافسة، فإن ذلك يعني أن الثقة قد تبخرت.
والخطر الأكبر يكمن في أن تتحول البطولة إلى سوق للمصالح، حيث تُستخدم تقنية الفار كأداة للضغط أو المجاملة، بدلاً من أن تكون حكماً عدلاً، وإذا لم يتم كسر هذا الجدار من الشكوك، فإن المستقبل يحمل مخاطر جسيمة على سمعة الكرة المغربية محلياً ودولياً.
ما ننتظره: تدخل قبل “فوات الأوان”
لم يعد مقبولاً أن تُترك الأزمة تتدحرج نحو الهاوية، ما يحتاجه المشهد الكروي المغربي اليوم هو تدخل شخصي وعاجل من فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم لحث مديرية رضوان جيد لفتح ملفات الاحتجاجات، وليس الاكتفاء بالردود البيروقراطية، بالإضافة إلى شفافية قصوى حول أسباب تعطل “الفار” في مباراة يعقوب المنصور، مع نشر تقرير تقني مستقل يطمئن الجميع.
كما يتطلب الأمر مراجعة شاملة لبروتوكولات غرف الفار، ومنع أي تدخلات فردية، وضمان وجود مراقبين من الأندية في الحالات الحساسة، وحسم ملف اتهامات اتحاد تواركة، إما بإثباتها ومعاقبة المتورطين، أو نفيها بأدلة قاطعة، لأن إبقاءها معلقة يُسمم الأجواء، مع فتح حوار صريح مع الأندية، لاستعادة الثقة قبل أن تتحول الاحتجاجات إلى إجراءات قانونية أو انسحابات من المنافسة.
خلاصة: إما شفافية تُنقذ البطولة.. وإما انهيار للثقة
ما تعيشه البطولة الاحترافية مع “فضائح الفار” ليس مجرد “ضجيج إعلامي”، بل هو جرس إنذار أخير يدق في أذن مديرية التحكيم والجامعة الملكية.
فإما أن يجرؤ رضوان جيد على فتح الملفات الشائكة، وفرض شفافية غير مسبوقة، ووضع حد للشكوك حول “غرف الفار”، وإما أن تستمر “ثقافة التعتيم” التي ستحول البطولة إلى مسرحية نتائجها مُعدّة سلفاً، وتُهدر مصداقية عقود من العمل الكروي.
الأندية لم تعد تقبل بـ”الاجتهادات” والجماهير لم تعد تُصدق “البيانات” والوقت ينفد أمام مديرية التحكيم لاتخاذ قرار تاريخي: إما النزاهة وإما الانهيار.
تعليقات الزوار