وزير التشغيل يعيد تدوير الوعود: هل مغامرة تربية الماشية حل لشباب القرى أم مخاطرة غير محسوبة؟

هبة زووم – الرباط
في وقت يعاني فيه العالم القروي المغربي من نزيف ديموغرافي واقتصادي حاد، خرج يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، ليعلن عن برنامج وطني لتشغيل الشباب في العالم القروي، واصفاً إياه بـ”الورشة المهيكلة”.
لكن وراء الأرقام الرنانة والغلاف المالي المعلن، تطفو أسئلة نقدية حادة حول نجاعة هذه المقاربة، خاصة في ظل تكرار تجارب فاشلة سابقاً، وتحديات مناخية واقتصادية راهنة تجعل من تربية الماشية رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
وفي هذا السياق، كشف الوزير عن رصد غلاف مالي إجمالي قدره 14 مليار درهم لخارطة الطريق الحكومية لدعم التشغيل، خصص منها مليار درهم فقط لإنعاش الشغل بالعالم القروي.
ورغم أن الأرقام قد تبدو كبيرة للوهلة الأولى، إلا أن مقارنة هذا المبلغ بحجم البطالة والفقر في العالم القروي تجعله يبدو قطرة في محيط.
فكيف لمليار واحد أن يكفي لمعالجة إرث سنوات من الإقصاء المجالي؟ وأي تأثير تنموي حقيقي يمكن لهذا المبلغ أن يحدثه في ظل ارتفاع تكاليف الاستثمار وتراجع القدرة الشرائية؟
يبدو اليوم أن الاقتصاد في النفقات على حساب البرامج القروية يعكس أولوية غير متوازنة في توزيع الجهود الحكومية، حيث يظل العالم القروي “الفقير” في ميزانية التشغيل.
ويرتكز البرنامج بشكل كبير على سلاسل الإنتاج الحيواني وتربية الماشية لخلق 15,000 شغل قار، وهنا يبرز التناقض الصارخ بين السياسة المعلنة والواقع المناخي.
فبينما يعاني المغرب من أسوأ موجات الجفاف منذ عقود، وتنفق الملايير لاستيراد الشعير ودعم القطاع، هل يُعقل توجيه شباب قروي نحو قطاع يعتمد كلياً على المياه والأعلاف؟
هذا التوجه يطرح إشكاليات وجودية: هل تمت دراسة الجدوى المائية لهذه المشاريع قبل إطلاقها؟ أين هي بدائل التشغيل في قطاعات أقل استهلاكاً للموارد الطبيعية؟ وكيف سيتم ضمان استدامة المشاريع إذا استمر الجفاف وتضاعفت كلفة الأعلاف؟
فتوجيه الشباب نحو مغامرة فلاحية في ظل أزمة مناخية خانقة قد لا يكون “حلاً”، بل قد يكون تحميلًا لهم أعباءً تفوق قدراتهم، مما يعرضهم لخطر الإفلاس والديون بدلاً من الإدماج الاقتصادي.
وأعلن البرنامج عن تكوين 40,000 مستفيد، بينما يستهدف خلق 15,000 شغل قار فقط. هذا الفجوة الرقمية تطرح سؤالاً مصيرياً حول مصير الـ25,000 شاب الآخرين الذين سيستفيدون من التكوين دون ضمانات حقيقية للولوج إلى سوق الشغل.
فهل يتحول البرنامج إلى ورشة تكوين تنتهي بشهادات لا قيمة لها في سوق العمل؟ أم أن هناك خطة واضحة لامتصاص هذا الفائض؟ إن فصل التكوين عن ضمان التشغيل يُعيد إلى الواجهة سيناريوهات برامج سابقة انتهت بتكديس الشباب في مراكز التكوين دون أفق حقيقي للإدماج.
ويصف الوزير البرنامج بـ”الإجراء الهيكلي”، لكن الذاكرة الجماعية للشباب القروي مليئة ببرامج مماثلة (أوراش، مبادرتي، انطلاق، وغيرها) لم تحقق النتائج الموعودة، والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا يتم تقديم تقارير تقييمية صادقة حول مصير البرامج السابقة قبل إطلاق جديدة؟
فغياب محاسبة الفشل يجعل من كل برنامج جديد مقامرة على حساب ثقة الشباب، فبدلاً من الاعتراف بنقاط الخلل في البرامج السابقة (ضعف المواكبة، تعقيد المساطر، غياب الأسواق)، نكتفي بإعادة تدوير الوعود بأغلفة مالية جديدة وأسماء مختلفة.
وفي الأخير، يمكن القول على أن البرنامج الوطني لتشغيل الشباب القروي يُشكل خطوة قد تكون إيجابية نظرياً، لكن نجاحها مرهون بتجاوز ثقافة البلاغات إلى ثقافة النتائج.
فالشباب القروي لا يحتاج إلى أرقام استعراضية تُعلن في البرلمان، بل يحتاج إلى مشاريع مستدامة، ومواكبة حقيقية، وضمانات ضد مخاطر المناخ والسوق.
فإما أن تتحول هذه الأرقام إلى واقع ملموس يُثبت نجاعة المقاربة، وإما أن يبقى البرنامج مجرد فقاعة إعلامية تضاف إلى رصيد الوعود المؤجلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد