من “خميس المناظرة” إلى جمعة النسيان: فضيحة الالتقائية الترابية في سطات تُعيد سؤال من يخدم الشباب حقاً؟

هبة زووم – سطات
في الوقت الذي تمتلئ فيه قاعات الاجتماعات بالكلمات المنمقة والعبارات الرسمية المطمئنة، تظل مؤسسات الشباب بإقليم سطات معلقة بين الوعود والتأجيل، وبين خطاب الإصلاح وواقع لا يتغير.
ففي وقت تُعلن فيه المديرية الإقليمية لقطاع الشباب عن تنظيم لقاء تشاوري إقليمي ضمن استعدادات “المناظرة الوطنية الأولى”، يتساءل المواطن بمرارة: كم لقاءً تشاورياً نحتاج قبل أن نرى مؤسسة شباب واحدة تُفتح أبوابها فعلياً؟ وأي التقائية ترابية هذه التي تُنتج محاضر اجتماعات بينما يُنتج الواقع بطالة شباب ومرافق مغلقة؟
فبينما يُوصف اللقاء الذي عُقد يوم الخميس 26 مارس 2026 بالمركز الثقافي بسطات بـ”الإيجابي والمثمر”، يجد المتتبع نفسه أمام نموذج مكرر من ورشات التشاور التي لطالما زينت أدراج المكاتب دون أن تلمس حياة من كُتبت باسمهم.
مشهد لا يُثير فقط الاستغراب، بل يطرح سؤالاً قاسياً: إلى متى سيستمر إنتاج التوصيات دون إنتاج التغيير؟ وأي دور هذا لقطاع الشباب إذا كانت لقاءاته تُقابل بالصمت التنفيذي والتأجيل المزمن؟
فالمشكل اليوم لم يعد في غياب التشخيص، ولا في ندرة اللقاءات، ولا حتى في محدودية الخطاب الرسمي حول أهمية النهوض بالشباب، بل في الهوة الواسعة بين ما يُقال داخل القاعات وما يعيشه الشباب خارجها.
ذلك أن البطالة، وضعف التأطير، وتعثر عدد من مؤسسات الشباب، وغياب برامج فعالة ومستدامة، كلها مؤشرات تجعل من أي لقاء تشاوري جديد مناسبة لطرح سؤال جوهري: هل نحن أمام ورش إصلاح حقيقي، أم أمام إعادة إنتاج لثقافة الاجتماعات؟
“خميس المناظرة”.. دينامية تشاورية أم طقس إداري متكرر؟
لا أحد يمكنه الاعتراض من حيث المبدأ على التشاور، بل إن السياسات العمومية الرصينة تُبنى أساسًا على الإنصات وتبادل الرؤى، غير أن الإشكال يبدأ حين يتحول التشاور من وسيلة لإحداث الأثر إلى غاية في حد ذاته.
وهنا يبرز السؤال: ما الأثر الملموس الذي أنتجه برنامج “خميس المناظرة” إلى حدود الآن؟ وأين هي حصيلة الخميسات السابقة؟ وما الذي تم تنزيله فعليًا من توصياتها على أرض الواقع؟
إن غياب آليات واضحة للتتبع والتقييم، وعدم نشر خلاصات اللقاءات السابقة للرأي العام، وعدم ربط التوصيات بجداول زمنية دقيقة ومسؤوليات تنفيذية محددة، كلها عناصر تجعل من هذا المسار التشاوري معرضًا لأن يفقد معناه العملي.
فالشباب لا يحتاجون فقط إلى من يتحدث عنهم، بل إلى من يترجم هذا الحديث إلى قرارات وبرامج ومؤسسات مفتوحة وفاعلة.
وحين يتحول التشاور إلى ممارسة شكلية متكررة، فإنه لا يهدر الزمن الإداري فقط، بل يكرس أيضًا شعورًا متزايدًا بعدم الجدوى، ويغذي فقدان الثقة في قدرة المؤسسات على الإنصات الحقيقي والاستجابة الفعلية.
حضور مؤسساتي وازن.. لكن أين صوت الشباب؟
تميز اللقاء، بحسب المعطيات المقدمة، بحضور ممثلين عن السلطات الإقليمية والمحلية، وجامعة الحسن الأول، وقسم العمل الاجتماعي، ومختلف القطاعات الحكومية، إلى جانب الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات وفعاليات من النسيج الجمعوي، وهو حضور يمنح الانطباع، شكليًا على الأقل، بأن هناك رغبة في خلق تقاطعات مؤسساتية حول قضايا الشباب.
لكن هذا الحضور، على أهميته، يطرح بدوره أسئلة لا تقل أهمية: أين هو التمثيل المباشر للشباب داخل هذا النقاش؟ وهل يمكن اعتبار الجمعيات أو الفاعلين الوسيطين بديلاً كافيًا عن حضور الشباب أنفسهم؟ وكيف يمكن الحديث عن سياسة موجهة لفئة عمرية بعينها، إذا كان صوت هذه الفئة لا يحضر بالوضوح والوزن نفسيهما داخل فضاء النقاش واتخاذ القرار؟
فتمثيلية الشباب لا ينبغي أن تكون رمزية أو ثانوية، بل يجب أن تكون أصلية ومؤثرة، لأن من غير المقبول أن تستمر مؤسسات الشباب في الاشتغال بمنطق الحديث باسم الشباب بدل الحديث معهم، أو بمنطق تمثيلهم دون تمكينهم من التعبير المباشر عن احتياجاتهم وانتظاراتهم.
توصيات عملية.. أم أمنيات مؤجلة؟
أفضت أشغال اللقاء إلى ما وُصف بأنه توصيات عملية ومقترحات هادفة تروم تعزيز الشراكات والالتقائية وإرساء رؤية مندمجة للنهوض بمؤسسات الشباب.
غير أن هذا الوصف، مهما بدا مطمئنًا، لا يعفي من طرح سؤال مركزي: ما الذي يضمن أن هذه التوصيات لن تنضم إلى أرشيف طويل من المقترحات التي صيغت بحسن نية، ثم انتهى بها الأمر إلى الرفوف؟
فالتجربة المحلية، كما في غيرها من المجالات، أظهرت أن التوصية لا تكتسب قيمتها من صياغتها، بل من شروط تنفيذها، ولذلك، فإن أي حديث عن مخرجات عملية يظل ناقصًا ما لم يُرفق بإجابات صريحة عن أسئلة التنفيذ: من سينفذ؟ متى؟ بأي موارد؟ وتحت أي آلية للمحاسبة والتتبع؟
فالتوصيات التي لا تُرفق بآجال، ولا تُربط بميزانية، ولا تُسند إلى مسؤوليات محددة، تتحول سريعًا من أدوات تخطيط إلى مجرد أمنيات إدارية. وفي هذه الحالة، لا يعود الشباب أمام سياسة عمومية، بل أمام خطاب حسن الصياغة ضعيف الأثر.
المناظرة الوطنية.. فرصة للإصلاح أم إعادة تدوير للخطاب؟
يأتي هذا اللقاء ضمن التحضيرات للمناظرة الوطنية الأولى لمؤسسات الشباب، وهي محطة يفترض أن تكون مناسبة لإعادة التفكير الجدي في أوضاع هذه المؤسسات وأدوارها وانتظاراتها المستقبلية، غير أن نجاح أي مناظرة وطنية لا يقاس بحجم الحضور ولا بثراء الكلمات الافتتاحية، بل بمدى قدرتها على إنتاج أثر فعلي في الميدان.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى أن تدخل سطات هذه المحطة لا بمحاضر الاجتماعات وحدها، بل بتشخيص صريح، وتقييم موضوعي، وجرأة في تسمية التعثرات، والتزام واضح بتحويل المخرجات إلى برامج قابلة للقياس والتنفيذ، أما إذا تحولت المناظرة إلى فضاء لتبرير الاختلالات أو تجميلها، فإنها ستكرس القطيعة أكثر مما ستبني الثقة.
ما الذي يحتاجه شباب سطات اليوم؟
ما يحتاجه شباب الإقليم لم يعد مزيدًا من العناوين الكبرى، بل خطوات عملية واضحة. يحتاجون إلى نشر علني وشفاف لتوصيات اللقاءات، مع تحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذ كل توصية والآجال المرتبطة بها، ويحتاجون إلى إشراك مباشر في لجان التتبع والتقييم، حتى لا يبقى صوتهم محصورًا في خانة المستفيد المفترض.
كما يحتاجون إلى تقييم مستقل وواقعي لأوضاع مؤسسات الشباب بالإقليم قبل أي محطة وطنية، حتى يكون النقاش مؤسسًا على الوقائع لا على الانطباعات.
ويحتاجون، قبل كل شيء، إلى قرارات ملموسة تفتح المؤسسات المغلقة، وتؤهل الفضاءات المتعثرة، وتعيد الاعتبار للدور الحقيقي الذي ينبغي أن تضطلع به مؤسسات الشباب في التأطير والتكوين والإدماج.
اليوم يمكن القول بدون مواربة أن ما يعيشه ملف مؤسسات الشباب بسطات لم يعد مجرد تأخر إداري عابر، بل أصبح امتحانًا حقيقيًا لمصداقية السياسات العمومية الموجهة إلى الشباب، فإما أن تتحول التوصيات إلى أفعال، والتشاور إلى قرارات، والمناظرة إلى منعطف إصلاحي حقيقي، وإما أن تستمر ثقافة الاجتماعات في إنتاج مزيد من الانتظار ومزيد من الإحباط.
شباب سطات لا يحتاجون إلى مزيد من اللغة المؤسسية وحدها، بل إلى مؤسسات مفتوحة، وبرامج حقيقية، وقرارات تُرى آثارها في الميدان، فمؤسسة الشباب ليست عنوانًا في محضر، والتوصية ليست غاية في ذاتها، والشباب ليسوا جمهورًا يصفق لبلاغات رسمية، بل شركاء في حقهم أن يروا نتائج ما يُقال باسمهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد