تطوان: من الباريو إلى صندوق الانتخابات هكذا تحولت الكرامة إلى ورقة مناكفة بين إسحاق شارية والركاني؟

هبة زووم – حسن لعشير
في مشهد يُعيد تعريف الانحدار السياسي بأبشع معانيه، تحول حي “الباريو مالقا” الشعبي العريق بتطوان، من رمز تاريخي يستحق التثمين، إلى ساحة مناكفة انتخابية رخيصة، حيث يتبارى مسؤولون منتخبون في وصم الساكنة واستغلال كرامتهم لخدمة أجندات ضيقة قبل موعد الاستحقاقات التشريعية.
فبينما يصف زهير الركاني، نائب رئيس جماعة تطوان ساكنة الحي بـ”قطاع الطرق”، يخرج إسحاق شرية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، برد ناري يتحول فيه الدفاع عن التاريخ إلى هجوم سياسي على مجلس الجماعة.
مشهد لا يُثير فقط استياء السكان، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إلى متى ستستمر الطبقة السياسية في تحويل هموم المواطنين إلى أوراق مساومة قبل الانتخابات؟ وأي ديمقراطية هذه التي تُضحي بكرامة الأحياء الشعبية على مذبح المناكفات الحزبية؟
فحسب ما أورده إسحاق شرية في شريط الفيديو، فإن زهير الركاني صرح لإحدى القنوات الإعلامية بأن حي “الباريو مالقا” هو حي شعبي عشوائي تسوده الفوضى وانعدام الأمن، مضيفاً أنه “لما كان في زمن طفولته كان يلعب مع الأطفال لعبة اللصوص وقطاع الطرق بحي الباريو”.
هذه التصريحات، إن صحت، لا تُعتبر مجرد هفوة لسان، بل هي استراتيجية ممنهجة تُعيد إنتاج التمييز المجالي لخدمة أجندات انتخابية، ففي ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن بعض المسؤولين يجدون في وصم الأحياء الشعبية وسيلة رخيصة لكسب تعاطف الناخبين أو تصفية حسابات مع خصوم سياسيين.
وفي رده الناري، دافع إسحاق شرية عن حي “الباريو مالقا”، مؤكداً أنه “حي حضاري له تاريخ عريق بُني في عهد الاستعمار الإسباني”، مستشهداً بمعالم تاريخية مثل مسرح فيكتوريا ومدرسة سيدي أحمد الزواق.
لكن الدفاع المشروع عن كرامة الحي، تحول بسرعة إلى هجوم سياسي على زهير الركاني ومجلس جماعة تطوان، حيث قال شرية: “أنتم الذين استجلبتم المستثمرين وجعلتم البطالة منتشرة في صفوف شبابها، ولهذا نسمع كل يوم حدوث حالة انتحار في صفوف الشباب، حالة غرق في سواحل البحر”.
وهذا الانزياح من الدفاع إلى الهجوم يطرح أسئلة محرجة: هل يهدف الرد الناري حقاً إلى حماية كرامة الساكنة، أم إلى كسب نقاط انتخابية على حساب خصم سياسي؟ وأين هي البدائل العملية التي يقدمها الحزب المغربي الحر لتحسين أحوال الأحياء الشعبية، بدلاً من حرب البيانات؟ وكيف يمكن للمواطن أن يميز بين الدفاع المبدئي والمناكفة الانتخابية في ظل فضاء سياسي مشحون قبل الاستحقاقات؟
فربط شرية بين سياسات المجلس الجماعي و”ظواهر اجتماعية مأساوية” مثل انتحار الشباب وغرقهم في سواحل البحر، يطرح سؤالاً وجودياً: هل تتحول المآسي الإنسانية إلى أوراق ضغط في المعارك الانتخابية؟
هذا الاستخدام المشبوه للمعطيات الاجتماعية يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُطرح الحلول العملية لمكافحة الانتحار والهجرة السرية، بدلاً من استغلالها في الهجوم على الخصوم؟ وأين هي المسؤولية المشتركة بين جميع الفاعلين في معالجة الأزمات الاجتماعية، بدلاً من تحميل طرف واحد مسؤولية كل المشاكل؟ وكيف يمكن بناء سياسات وقائية بينما تُترك المآسي رهينة حرب بيانات لا حلول ميدانية؟
كما اعتبر عدد من المتابعين للشأن المحلي بتطوان، على أن توقيت هذه المناكفة بين إسحاق شرية وزهير الركاني، قبل أشهر من الاستحقاقات التشريعية، ليس صدفة عابرة، بل هو نموذج صارخ لكيفية تحول السياسة المحلية إلى ساحة تصفية حسابات قبل الاستحقاقات الوطنية.
ويأتي هذا السجال في سياق مشحون، يعكس تصاعد حدة الخطاب السياسي المحلي، حيث تتحول التصريحات الإعلامية في كثير من الأحيان إلى شرارة لأزمات أكبر، خصوصاً عندما تمس كرامة الساكنة أو تمثلاتها الاجتماعية.
فما تعيشه تطوان مع “ملف الباريو” ليس حدثا إعلامياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الحياة السياسية وقدرة الأحزاب على تجاوز عقلية المناكفة لخدمة المصلحة العامة قبل الاستحقاقات التشريعية.
وبين اتهامات بالإساءة وردود نارية، يبقى الرهان، وفق متتبعين، هو إعادة النقاش إلى سكته الصحيحة، عبر التركيز على قضايا التنمية الحقيقية، بعيداً عن الخطابات التي تؤجج التوتر وتعمق فجوة الثقة بين المنتخبين والمواطنين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد