هبة زووم – خريبكة
لم تعد مشاهد أشخاص في حالات نفسية متدهورة تجوب شوارع مدينة خريبكة تثير الاستغراب، بل أصبحت جزءاً من المشهد اليومي الذي ألفه السكان، في صمت مريب يلفّ تدخل الجهات المعنية. صراخ، تهديدات، سلوكيات غير متوقعة، وأحياناً عنف في الفضاء العام، كلها مظاهر تختزل حجم أزمة حقيقية تتفاقم يوماً بعد يوم دون حلول جذرية تُذكر.
اللافت في هذه الظاهرة، ليس فقط تزايد أعداد المختلين عقلياً في الشوارع والساحات، خاصة بمحيط المحطة الطرقية وبعض الأحياء الحيوية، بل أيضاً الغياب شبه التام لأي استراتيجية واضحة من طرف السلطات المحلية والإقليمية للتعامل مع هذا الملف المعقد، الذي يتداخل فيه ما هو صحي واجتماعي وأمني.
ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تحظى هذه الفئة الهشة برعاية خاصة تضمن كرامتها وسلامتها، تُترك في مواجهة الشارع، عرضة للإهمال، بل وتتحول – قسراً – إلى مصدر خوف وقلق لدى الساكنة.
هنا، لا يتعلق الأمر فقط بخلل في التدبير، بل بانكشاف عميق لواقع منظومة الصحة النفسية التي تبدو عاجزة عن استيعاب الحالات المتزايدة أو حتى مواكبتها.
السلطات، من جهتها، تكتفي أحياناً بتدخلات ظرفية عبر ترحيل بعض الحالات إلى مستشفيات خارج الإقليم، في مقاربة تُشبه “ترحيل الأزمة” بدل حلها.
هذه الإجراءات، وإن كانت تخفف الضغط مؤقتاً، إلا أنها تظل عاجزة عن تقديم إجابة حقيقية لسؤال يتكرر بإلحاح: إلى متى ستبقى خريبكة بدون بنية متخصصة لاحتضان وعلاج المرضى النفسيين؟
الأمر لا يقف عند حدود التقصير الإداري، بل يمتد إلى غياب تنسيق فعّال بين مختلف المتدخلين: الجماعة الترابية، المصالح الصحية، والسلطات المحلية، ما يحول دون بلورة تدخل مندمج قادر على احتواء الظاهرة.
كما أن ضعف الموارد البشرية، خاصة الأطباء النفسيين، يزيد الوضع تعقيداً ويجعل أي مبادرة جزئية غير ذات أثر مستدام.
وإذا كان بعض المسؤولين يفضلون التعامل مع الملف بمنطق “تدبير اللحظة”، فإن الواقع يؤكد أن خريبكة تقف اليوم على حافة انفلات اجتماعي صامت، حيث يتحول المرضى النفسيون إلى ضحايا مضاعفين: ضحايا لاضطراباتهم، وضحايا لإهمال مؤسساتي لا يرقى إلى حجم التحدي.
إن ما تحتاجه المدينة ليس فقط حملات موسمية أو تدخلات أمنية متقطعة، بل رؤية شاملة تُعيد الاعتبار للصحة النفسية كأولوية، تبدأ بإحداث مركز للإيواء والعلاج داخل الإقليم، وتوفير الأطر الطبية المختصة، مع تفعيل دور الشرطة الإدارية لضمان تنسيق فعّال بين مختلف الفاعلين.
خريبكة اليوم أمام اختبار حقيقي: إما الاستمرار في سياسة “الهروب إلى الأمام”، أو مواجهة الواقع بشجاعة عبر قرارات مسؤولة تضع حداً لمعاناة فئة هشة، وتحمي في الآن ذاته أمن وطمأنينة الساكنة.
تعليقات الزوار