هل فقدت الجديدة بوصلتها داخل جهة الدار البيضاء-سطات؟

عبدالعالي حسون

عبدالعالي حسون
تعيش مدينة الجديدة اليوم مرحلة دقيقة من تاريخها الحضري، يمكن وصفها بأزمة تموقع أكثر منها أزمة نمو، فبينما تشهد جهة الدار البيضاء–سطات تحولات متسارعة أعادت رسم أدوار مدنها ومراكزها الحضرية، تبدو الجديدة وكأنها لم تحسم بعد موقعها داخل هذه الدينامية الجهوية، رغم ما عرفته من توسع عمراني ملحوظ خلال العقدين الأخيرين.
لقد كانت الجديدة، لسنوات طويلة، إحدى المدن الواعدة على الواجهة الأطلسية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وقربها من المركب الصناعي للجرف الأصفر، فضلاً عن مؤهلاتها السياحية والجامعية، غير أن هذه المقومات لم تتحول إلى مشروع حضري متكامل يمنح المدينة شخصية اقتصادية وعمرانية واضحة، بل ظل النمو العمراني في كثير من الأحيان أسرع من الرؤية التنموية التي يفترض أن تؤطره.
فالمدينة توسعت أفقياً، وتكاثرت التجزئات السكنية والمشاريع العقارية، غير أن هذا التوسع لم يواكبه بناء فضاءات عمومية ذات جودة، ولا تحسين متوازن للبنيات التحتية، ولا تصور عمراني قادر على إنتاج هوية بصرية مميزة، لذلك تبدو الجديدة اليوم مدينة تنمو من حيث المساحة وعدد السكان، لكنها لا تزال تبحث عن الدور الذي يمكن أن تضطلع به داخل الجهة.
وتزداد هذه الإشكالية مع بروز مراكز حضرية صاعدة بمحاذاة الدار البيضاء، مثل حد السوالم والخيايطة والنواصر، التي استطاعت، بفضل قربها الجغرافي واستفادتها من الامتداد الاقتصادي للعاصمة الاقتصادية، أن تفرض لنفسها وظائف حضرية واضحة، سواء في المجال الصناعي أو اللوجستيكي أو السكني، في المقابل، لم تتمكن الجديدة من بلورة تموقع مماثل، رغم ما تزخر به من مؤهلات طبيعية واقتصادية وبشرية.
ولا يتعلق الأمر فقط بالاستثمار أو بجذب المقاولات، بل أيضاً بطريقة تنظيم المجال الحضري. فالتفاوت الواضح بين الأحياء، وضعف الانسجام المعماري، وندرة الفضاءات العمومية المؤهلة، كلها مؤشرات تعكس غياب تصور حضري موحد يوازن بين التوسع العمراني وجودة العيش، ويجعل من المدينة فضاءً متناسقاً ومتكاملاً.
وفي هذا السياق، يبرز دور الجماعة الترابية باعتبارها الفاعل الرئيسي في تدبير المجال الحضري، فالقانون التنظيمي رقم 113.14 منح الجماعات اختصاصات ذاتية مهمة في مجال التعمير، تشمل السهر على احترام وثائق التهيئة العمرانية، والمصادقة على ضوابط البناء، وتنفيذ مقتضيات تصاميم التهيئة، بما يجعل تنظيم المجال الحضري مسؤولية قانونية ومؤسساتية لا مجرد خيار سياسي.
غير أن ممارسة هذه الاختصاصات لا تخلو من صعوبات حقيقية، من بينها محدودية الموارد البشرية المتخصصة، وتداخل الاختصاصات مع المصالح اللاممركزة للدولة، إضافة إلى تفاوت مستويات الحكامة المحلية، وما قد يرافق ذلك أحياناً من ضعف في تطبيق ضوابط التعمير أو التراخي في مراقبة احترامها، وهي عوامل تؤثر في جودة المشهد الحضري وتحد من قدرة المدينة على بناء هوية عمرانية متماسكة.
كما أن الحفاظ على البعد الجمالي للمدينة لا يقل أهمية عن توفير البنيات الأساسية، لأن جودة الفضاءات العمومية، وتناسق الواجهات، واحترام الخصوصية المعمارية، كلها عناصر تساهم في تعزيز جاذبية المدينة وترسيخ انتماء سكانها إليها، فضلاً عن دورها في استقطاب الاستثمار والسياحة.
ومن هنا، فإن مستقبل الجديدة لا يرتبط فقط بإنجاز المزيد من المشاريع العمرانية، بل ببلورة رؤية استراتيجية تعيد تعريف موقعها داخل جهة الدار البيضاء–سطات، وتستثمر مؤهلاتها الساحلية والصناعية والجامعية والثقافية في إطار مشروع حضري متكامل.
فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد العمارات والتجزئات السكنية، وإنما بقدرة المدينة على إنتاج هوية واضحة، ووظيفة اقتصادية محددة، ومجال حضري يوفر جودة العيش ويستجيب لتطلعات ساكنته.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الجديدة من مرحلة التوسع العمراني إلى مرحلة بناء المدينة، فالمدن لا تصنعها الخرسانة وحدها، بل تصنعها الرؤية، وتحكمها الحكامة، وتمنحها هويتها المشاريع الكبرى القادرة على تحويل الإمكانات إلى واقع تنموي مستدام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد