أملاك الجماعات الترابية بين منطق الحماية ومتطلبات التنمية

هبة زووم – عبدالعالي حسون
يشكل تدبير أملاك الجماعات الترابية أحد أهم رهانات الحكامة الترابية الحديثة، بالنظر إلى ما تمثله هذه الأملاك من رافعة أساسية للتنمية المحلية، ووسيلة لضمان استمرارية المرافق العمومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. فحسن تدبير هذا الرصيد العقاري لا يرتبط فقط بحماية المال العام، بل يمتد ليشمل قدرة الجماعات على تعبئة مواردها الذاتية وتوجيهها نحو تمويل مشاريع التنمية.
وفي هذا السياق، تكتسي المادة الثانية من القانون رقم 57.19 المتعلق بنظام الأملاك العقارية للجماعات الترابية أهمية بالغة، باعتبارها تؤسس للتقسيم القانوني الجوهري لأملاك الجماعات بين الملك العام والملك الخاص، وهو تقسيم لا يقتصر على الجانب الشكلي، وإنما يحدد النظام القانوني الذي يخضع له كل صنف من هذه الأملاك، وحدود سلطة الجماعة في تدبيره واستغلاله والتصرف فيه.
فبموجب هذه المادة، ينقسم الملك العقاري للجماعات الترابية إلى ملك عام مخصص لتحقيق المنفعة العامة أو لخدمة مرفق عمومي، وملك خاص لا تتوفر فيه هذه الصفة. ويترتب عن هذا التمييز آثار قانونية عميقة، إذ يخضع الملك العام لمبادئ قانونية صارمة تقوم على عدم قابليته للتفويت أو الحجز أو اكتسابه بالتقادم، حفاظًا على استمرارية المرفق العمومي وضمانًا لعدم المساس بالمصلحة العامة.
أما الملك الخاص للجماعات الترابية، فيمثل المجال الذي يسمح للجماعة بالاستثمار والتثمين الاقتصادي، سواء عبر الكراء أو التفويت أو إبرام الشراكات، بما يساهم في تنمية مواردها المالية الذاتية، ويمنحها هامشًا أوسع لتمويل برامجها التنموية وتقوية استقلاليتها المالية.
وتبرز أهمية المادة الثانية في كونها ترسم الحدود الفاصلة بين منطق الحماية ومنطق التنمية، فالتكييف القانوني السليم لطبيعة العقار يعد المدخل الأساسي لاتخاذ القرار الإداري المشروع، بينما يؤدي أي خلط بين الملك العام والملك الخاص إلى نتائج قانونية خطيرة، قد تتمثل في تفويت عقار يدخل ضمن الملك العام بالمخالفة للقانون، أو في المقابل تقييد استغلال عقار من الملك الخاص بدعوى تمتعه بالحماية القانونية المقررة للملك العام.
وقد كشف التطبيق العملي لهذا المقتضى عن عدد من الإشكالات، خاصة في الحالات التي تكون فيها الملكية على الشياع، أو عندما يكون تخصيص العقار للمنفعة العامة غير موثق بقرار إداري صريح، وهو ما يفتح الباب أمام اختلاف التأويلات والنزاعات القضائية بشأن الطبيعة القانونية للعقار.
كما تثير المادة الثانية إشكالية أخرى تتعلق بضم الملك الخاص إلى الملك العام، وهو إجراء استثنائي لا يتم إلا وفق مسطرة قانونية واضحة، تستوجب صدور مقرر من المجلس الجماعي يعقبه قرار إداري صريح يقضي بتخصيص العقار للمنفعة العامة.
ولا يجوز، من الناحية القانونية، افتراض هذا الضم أو استخلاصه ضمنًا من مجرد الاستعمال الفعلي للعقار أو احتلاله المؤقت، لأن ذلك يتعارض مع مبدأ المشروعية ويؤدي إلى المساس بالأمن القانوني.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في التمييز بين الملك العام والملك الخاص، وإنما في إرساء حكامة عقارية محلية قادرة على تحقيق التوازن بين ضرورة حماية الأملاك المخصصة للنفع العام، وبين تثمين الرصيد العقاري الخاص للجماعات الترابية باعتباره مورداً استراتيجياً للتنمية.
فالتنزيل السليم لمقتضيات المادة الثانية يقتضي وضوحًا في التكييف القانوني، ودقة في القرارات الإدارية، واحترامًا صارمًا للمساطر القانونية، بما يضمن صيانة المال العام من جهة، ويتيح للجماعات الترابية توظيف أملاكها بكفاءة وفعالية لخدمة التنمية المحلية من جهة أخرى.
وفي ظل تنامي اختصاصات الجماعات الترابية في إطار ورش الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، يصبح التدبير الرشيد للأملاك العقارية أحد أهم مؤشرات الحكامة الترابية، وأحد الشروط الأساسية لتحقيق تنمية مستدامة قائمة على حسن استثمار الموارد العمومية واحترام دولة القانون.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد