هبة زووم – الرباط
عاد أحمد كيكيش، المدير الإقليمي السابق والباحث في الشؤون التربوية، إلى إثارة الجدل حول البرنامج الاستعجالي لإصلاح منظومة التربية والتكوين، من خلال تدوينة مطولة أعاد فيها طرح أسئلة تتعلق بكيفية إعداد البرنامج، والجهات التي أشرفت على تنزيله، ومسؤولية المتدخلين في الاختلالات التي رافقت تنفيذه، معتبراً أن الملف لم يستنفد كل أبعاده، وأن تداعياته ما تزال تستدعي مزيداً من التدقيق والمساءلة.
وتأتي هذه التصريحات لتعيد إلى الواجهة واحداً من أبرز ملفات الإنفاق العمومي في قطاع التعليم، بعدما نشر المجلس الأعلى للحسابات، في دجنبر 2018، تقريراً موضوعاتياً لتقييم البرنامج الاستعجالي، شمل ظروف إعداده، وآليات التخطيط والبرمجة، وتدبير الموارد المالية، ومنظومة التتبع والقيادة، ومدى تحقق الأهداف المعلنة.
وفي روايته لتاريخ البرنامج، يقول كيكيش إن صيغته الأولى أُعدت من طرف فريق تابع للوزير السابق أحمد اخشيشن، قبل أن تؤدي خلافات تنظيمية وإدارية بين فريقه وفريق كاتبة الدولة السابقة لطيفة العبيدة إلى إعادة توزيع المهام، بما أفضى، بحسب التدوينة، إلى إعداد صيغة ثانية أكثر كلفة من طرف فريق مركزي.
ويذهب الباحث التربوي إلى أن طريقة تنزيل البرنامج عرفت، وفق تقديره، اختلالات في الهيكلة والتدبير، خصوصاً في العلاقة بين الإدارة المركزية والأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية. كما يربط ما يعتبره انحرافاً عن الأهداف الأصلية بوجود متدخلين إداريين ومقاولات استفادت من عمليات مرتبطة بالبرنامج.
وتظل هذه المعطيات، في جانبها المتعلق بتفاصيل إعداد الصيغ المختلفة وتوزيع الاختصاصات والمسؤوليات، رواية تستوجب المقارنة مع الوثائق الإدارية ومحاضر الاجتماعات وقرارات التكليف والتقارير الرقابية، حتى يتسنى تحديد ما جرى فعلياً، وما يمكن إسناده إلى كل طرف على أساس أدلة قابلة للتحقق.
بعيداً عن السجال الذي أثارته التدوينة، فإن التقرير الرسمي للمجلس الأعلى للحسابات يشكل مرجعاً أساسياً لفهم حصيلة البرنامج. فقد أورد التقرير أن الموارد المالية المعبأة خلال فترة المخطط، دون احتساب كتلة الأجور، بلغت حوالي 43.12 مليار درهم، فيما وصلت الالتزامات إلى 35.05 مليار درهم، مقابل أداءات فعلية ناهزت 25.15 مليار درهم، أي بمعدل أداء بلغ 58 في المائة.
وتطرح هذه الأرقام أسئلة جوهرية بشأن مستوى تنفيذ النفقات، والقدرات التدبيرية، ومدى التناسب بين الموارد المرصودة والنتائج المحققة، فالمشكل لا يتعلق فقط بحجم الاعتمادات التي خُصصت لإصلاح التعليم، بل كذلك بكيفية تحويلها إلى مؤسسات مجهزة، وأقسام إضافية، وظروف تمدرس أفضل، ونتائج تربوية ملموسة.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الاختلالات التدبيرية التي ترصدها أجهزة الرقابة، والمسؤوليات التأديبية أو الجنائية التي لا يمكن حسمها إلا وفق المساطر القانونية والأحكام القضائية المختصة.
وفي الجزء الأكثر إثارة في تدوينته، يتحدث كيكيش عن محاكمات وإدانات طالت مسؤولين جهويين وإقليميين، ويشير إلى ملفات مرتبطة بأكاديميات جهوية ومحاكم مالية، كما يثير تساؤلات حول ما يعتبره تفاوتاً في التعامل مع بعض المسؤولين، ويدعي أن أطرافاً أخرى لم تخضع للمساءلة نفسها.
غير أن هذه المعطيات، بما تتضمنه من أسماء وإشارات إلى مسؤوليات إدارية وقضائية، تحتاج إلى توثيق مستقل من خلال تحديد الملفات المعنية، وأرقام الأحكام وتواريخها، وطبيعة الأفعال موضوع المتابعة، وما إذا كانت الأحكام نهائية أو قابلة للطعن. كما لا يكفي ورود اسم مسؤول في تقرير رقابي أو في تدوينة لإثبات مسؤوليته الجنائية.
ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة في ملف امتد زمنياً وتعددت فيه مستويات التدبير والرقابة، لأن المساءلة الجدية لا تقوم على التعميم أو تبادل الاتهامات، وإنما على الوقائع المحددة والوثائق والقرارات القضائية.
كما يثير كيكيش ما يصفه بالصمت المحيط ببعض جوانب الملف، ويتحدث عن إعفاء مسؤولين واختلالات مزعومة في التقارير التي أُنجزت بشأنه، موجهاً انتقادات إلى مسؤولين إداريين حاليين وسابقين. وهي اتهامات لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة انطلاقاً من المعطيات المتاحة، ولذلك تبقى منسوبة إلى صاحبها، وتحتاج إلى ردود ووثائق رسمية لتحديد مدى صحتها.
لكن جوهر القضية يتجاوز الأشخاص وتبادل الاتهامات، ليصل إلى سؤال الحكامة في تدبير الإصلاحات التربوية: كيف أمكن لبرنامج رُصدت له اعتمادات مالية ضخمة ألا يحقق جميع أهدافه؟ وأين تعثرت سلسلة التخطيط والتنفيذ والتتبع؟ وما التدابير التي اتُخذت لتصحيح الاختلالات التي كشفتها الرقابة؟
إن إعادة فتح هذا الملف لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة إعلامية لأطراف بعينها، كما لا يصح أن تنتهي عند استحضار أرقام الإنفاق دون مساءلة عن المردودية، والمطلوب هو وضع التقارير الرسمية والقرارات القضائية والوثائق الإدارية أمام الرأي العام، وتوضيح ما ترتب عنها من إجراءات، وما بقي دون حسم، وما إذا كانت الاختلالات التي كُشفت قد أفضت إلى إصلاح فعلي لآليات التدبير والرقابة.
فالتعليم ليس مجرد قطاع تُرصد له الميزانيات وتُعلن بشأنه البرامج؛ إنه مرفق عمومي يرتبط بمستقبل أجيال كاملة. ومن ثم، فإن أي اختلال في تدبير موارده يستحق التوضيح والمساءلة، وأي اتهام يتعلق بالمال العام يستوجب التحقق، وأي مسؤولية لا بد أن تُحدد على أساس القانون والأدلة.
ويبقى السؤال المركزي الذي تعيده تدوينة كيكيش إلى الواجهة: هل جرى استثمار دروس البرنامج الاستعجالي في بناء حكامة أكثر صرامة داخل قطاع التعليم، أم أن جزءاً من الأسئلة التي كشفها التقرير الرسمي ما يزال ينتظر أجوبة واضحة؟
تعليقات الزوار