الكنبوري يكشف ما وراء خروج الأحرار إلى المعارضة: قرار حزبي أم هندسة من أعلى؟

هبة زووم – الرباط
أعاد الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري فتح النقاش حول خلفيات تموقع حزب التجمع الوطني للأحرار في المعارضة، مقدماً قراءة تتجاوز الرواية المباشرة التي تربط خروج الحزب من الحكومة بقرار سياسي صادر عن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يتصدر، وفق هذه القراءة، مسار تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي تدوينة جديدة، اعتبر الكنبوري أن خروج التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد قرار حزبي أو نتيجة لرفض إشراكه في الأغلبية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، متحدثاً عن “هندسة سياسية من أعلى” قال إنها تستهدف تنظيم موازين القوى داخل المعارضة البرلمانية.
ويربط الباحث هذه الفرضية بموقع رئاسة لجنة التشريع بمجلس النواب، معتبراً أن ترك التجمع الوطني للأحرار في المعارضة، بالنظر إلى عدد المقاعد التي حصل عليها، سيمنحه موقعاً متقدماً داخل المعارضة، وبالتالي يمكن أن يفتح أمامه الطريق لرئاسة اللجنة، في مقابل منع حزب العدالة والتنمية من الوصول إلى هذا الموقع في حال كان التجمع ضمن الأغلبية.
ووفق الكنبوري، فإن أهمية المسألة لا ترتبط فقط بالبروتوكول البرلماني، وإنما بالدور الذي تضطلع به اللجان النيابية في دراسة مشاريع ومقترحات القوانين ومناقشة النصوص التشريعية وممارسة الوظيفة الرقابية.
ومن هنا ينتقل صاحب التدوينة إلى مستوى أوسع من التحليل، متسائلاً ضمنياً عن مدى تأثير رئاسة لجنة من هذا النوع في توجيه النقاش التشريعي، وعن حدود استقلالية القرار داخل المؤسسات المنتخبة عندما تصبح هندسة التحالفات السياسية مرتبطة أيضاً بتوزيع مواقع المسؤولية داخل البرلمان.
ولتعزيز قراءته، استحضر الكنبوري واقعة تعود إلى مرحلة حكومة التناوب التوافقي في نهاية تسعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى تصريح نسبه إلى الاتحادي عبد القادر باينة حول تجربة الاتحاد الاشتراكي ورئاسته آنذاك للجنة العدل والتشريع، معتبراً أن موقع اللجنة كان يمنح الحزب، من وجهة نظره، مجالاً للتأثير في مشاريع القوانين وفي علاقة الحكومة بالمعارضة.
ويستخدم الكنبوري هذه الواقعة التاريخية ليخلص إلى أن المعارضة داخل المؤسسات لا تعني بالضرورة الابتعاد عن مراكز التأثير، وأن امتلاك رئاسة لجنة برلمانية يمكن أن يمنح الحزب المعني هامشاً مهماً من الحضور داخل العملية التشريعية.
لكن الجزء الأكثر إثارة في قراءة الكنبوري يبقى في استنتاجه بأن ما يجري حالياً ليس مجرد خلاف حول توزيع الحقائب الحكومية، وإنما إعادة ترتيب لمواقع القوى السياسية داخل الحكومة والمعارضة والبرلمان في آن واحد.
وبعبارة أخرى، فإن السؤال الذي تطرحه هذه القراءة لا يتعلق فقط بمن سيدخل الحكومة ومن سيبقى خارجها، بل بمن سيمتلك أدوات التأثير داخل المؤسسة التشريعية، ومن سيقود المعارضة، ومن سيحصل على المواقع البرلمانية التي تمنحه قدرة أكبر على الاشتباك مع مشاريع الحكومة ومراقبة عملها.
وفي انتظار اتضاح خريطة الأغلبية والمعارضة وتوزيع المسؤوليات داخل مجلس النواب، تظل تدوينة الكنبوري تضع الضوء على واحدة من أكثر زوايا المرحلة السياسية حساسية: هل تُبنى المعارضة فقط خارج الحكومة، أم أن جزءاً من هندستها يجري داخل البرلمان نفسه؟
وفي النهاية، قد يكون وراء كل بناء سياسي مهندس، كما يقول الكنبوري، لكن إثبات وجود هذا المهندس يتطلب أكثر من قراءة موازين المقاعد؛ يتطلب كشف مسار القرار نفسه، ومن اتخذ القرار، ولماذا، وما هي الترتيبات التي رافقته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد