هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تكن الجلسة الأولى من دورة أكتوبر العادية لمجلس جماعة الدار البيضاء مجرد موعد إداري لمناقشة جدول أعمال المجلس، بل تحولت منذ دقائقها الأولى إلى مرآة عكست حجم التوتر الذي يعتمل داخل الأغلبية المسيرة للعاصمة الاقتصادية، بعدما طغت نقاط النظام والسجالات السياسية على النقاش، في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول مدى قدرة التحالف المسير على تدبير خلافاته بعيداً عن قاعة المجلس.
الجلسة انعقدت في غياب عمدة الدار البيضاء، نبيلة ارميلي، التي ناب عنها في ترؤس الأشغال نائبتها الأولى مليكة مزور، قبل أن تبدأ مؤشرات الاحتقان في الظهور تباعاً.
المستشار موسى سراج الدين، عن الفريق الاستقلالي، اختار منذ البداية فتح ملف الأسئلة الكتابية، منتقداً ما اعتبره تجاهلاً لأسئلة المستشارين، ومتسائلاً عن مصير أسئلة قال إنها ظلت دون أجوبة، سؤال يبدو في ظاهره إجرائياً، لكنه سرعان ما كشف أن الهدوء داخل المجلس ليس سوى هدنة قابلة للانهيار عند أول احتكاك.
فما إن أثيرت مسألة النصاب القانوني لانعقاد الجلسة حتى انتقل النقاش إلى سجال سياسي حاد، قبل أن يتدخل المستشار محمد غفير، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، رافضاً ما تم تداوله من اتهامات، ومؤكداً أن أي حديث عن تزوير أو خروقات، إذا كان قائماً، فإن مكانه المؤسسات القضائية وليس قاعة المجلس.
تدخل دفع بمصطفى حيكر، رئيس الفريق الاستقلالي، إلى أخذ الكلمة عبر نقطة نظام، معبراً عن رفضه لما وصفه بالممارسات غير المقبولة، ومؤكداً حق مستشاري فريقه في التعبير عن مواقفهم، قبل أن يلوح بإمكانية انسحاب الفريق من الجلسة.
وهنا، بدل أن تكون الدورة فضاءً لمناقشة مشاكل ملايين سكان الدار البيضاء، وجد المجلس نفسه أمام نقاش حول من يحق له الكلام، ومن يجيب، ومن يحتج، ومن ينسحب*.
وفي محاولة لإعادة النقاش إلى سكته القانونية، تدخل عبد الصمد حيكر، عن حزب العدالة والتنمية، مستحضراً مقتضيات النظام الداخلي للمجلس، وداعياً إلى احترام القواعد المنظمة لسير الجلسة وتفادي المزيد من التصعيد.
لكن التهدئة لم تدم طويلاً، فالمستشار مفتاح، عن حزب الأصالة والمعاصرة، أعاد إلى الواجهة عدداً من الملفات المحلية، من بينها مآل ما يعرف بـ”أرض الخيرية” و”ملاعب القرب”، وهي ملفات سرعان ما أعادت إشعال النقاش داخل القاعة، خصوصاً مع تفاعل مستشاري التجمع الوطني للأحرار معها.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي طبعت جلسة أكتوبر: كلما اشتد الخلاف السياسي بين مكونات الأغلبية، بدأت ملفات التدبير المحلي التي يفترض أن تكون موضوع نقاش مؤسساتي هادئ في الظهور إلى السطح.
وبلغة أكثر وضوحاً، عندما تتخاصم مكونات الأغلبية، لا تبقى الخلافات محصورة في الكواليس، بل تبدأ الملفات العالقة في الظهور، وتتحول قاعة المجلس إلى فضاء لكشف ما كان يفترض أن يناقش داخل المؤسسات وبمسؤولية ووضوح.
ومن “أرض الخيرية” إلى “ملاعب القرب”، ومن الأسئلة الكتابية التي تنتظر أجوبة إلى الجدل حول النصاب القانوني، بدا أن المجلس يعيش أكثر من مجرد اختلاف في وجهات النظر. فالمشهد يكشف صعوبة واضحة في ضبط إيقاع الأغلبية وتدبير تناقضاتها الداخلية.
والأكثر إثارة للانتباه أن هذه التجاذبات تأتي في وقت تواجه فيه الدار البيضاء ملفات ثقيلة مرتبطة بالنظافة، والملك العمومي، والنقل، والبنيات التحتية، والإنارة، والمرافق والخدمات، وهي ملفات يفترض أن تكون في صلب أشغال المجلس بدل أن تستنزف الجلسات في صراعات حول نقاط النظام والاتهامات المتبادلة.
فالمواطن البيضاوي لا تعنيه كثيراً تفاصيل الخلافات الحزبية إذا لم تنعكس على جودة التدبير. ما يعنيه هو أن يجد جواباً عن الأسئلة المتعلقة بالخدمات، وأن يعرف مصير المشاريع، وكيف تدبر ممتلكات الجماعة، وما هي حصيلة البرامج التي صودق عليها، ومن يتحمل مسؤولية التأخر عندما تتعطل المشاريع.
جلسة أكتوبر كشفت، على الأقل سياسياً، أن الأغلبية المسيرة لجماعة الدار البيضاء ليست بمنأى عن التصدعات والتجاذبات. وتهديد فريق بالانسحاب، واحتدام النقاش بين مكونات التحالف، وعودة ملفات مثيرة للجدل إلى الواجهة، كلها مؤشرات تجعل سؤال التماسك الداخلي للأغلبية مشروعاً، فالتحالفات الانتخابية يمكن أن تجمع الأحزاب حول موازين المقاعد، لكنها لا تضمن بالضرورة الانسجام في التدبير.
وفي الدار البيضاء، حيث حجم المدينة وحجم الميزانيات وحجم الملفات أكبر من أن تحتمل منطق المناكفات السياسية، يصبح الاختبار الحقيقي للأغلبية هو قدرتها على تحويل الخلاف إلى نقاش مؤسساتي، والمساءلة إلى أجوبة، والوعود إلى نتائج.
أما إذا استمرت جلسات المجلس في التحول إلى ساحات لتبادل الاتهامات والتهديد بالانسحاب، فقد يجد المواطن نفسه أمام سؤال أكبر من خلافات المستشارين: من يدير الدار البيضاء فعلاً، ومن يتحمل مسؤولية ما يقع داخل مجلسها؟
وفي السياسة، كثيراً ما تكشف الخصومات ما تحاول التحالفات إخفاءه؛ وحين يتخاصم أصحاب القرار، تبدأ الملفات التي كانت في الظل في الظهور إلى الواجهة.
تعليقات الزوار