عم مساءا عمر لن ننساك و في ذكراك نجدد اللقاء .
الطيب الشكري
عندما نتحدث اليوم عن المصالحة مع ماضينا السياسي فمن أجل استشراف المستقبل من دون أن نخضع هذا الماضي لأية اعتبارات مهما كانت طبيعتها و لا حتى توقيتها لأن الحديث عن المصالحة يجب أن يكون في شموليته و بكل تفاصيله حتى الدقيقة منها بألامه و جراحه و أيضا بانجازاته و انكساراته، لقد أخذنا الطريق نحو مشروع الانصاف و المصالحة التي دخلناها بمسؤولية تاريخية في الكشف عن الحقائق و الجرائم التي ارتكبت في حق مناضلين سياسيين و أبرياء ذنبهم الوحيد أنهم اختاروا النضال في صفوف الجماهير الشعبية و أخذوا على عاتقهم نصرة قضاياه العادلة و المشروعة في الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية و في ترسيخ الديموقراطية كممارسة بعيدا عن الولاء لهذا الطرف أو ذاك و كذا القضاء على كل أشكال الانتهاكات التي تتعرض لها الحقوق الفردية للمواطن المغربي.
نستعيد اليوم و بكل الحب و الوفاء أحد رموز النضال السياسي الذي طبع المسيرة السياسية و النضالية للقوات الشعبية قبل أن تغيبه أياد الغدر و الارهاب في ليلة من ليالي الدار البيضاء الباردة أرادها الارهابيون أن تكون دومية بطعنات جبانة بدلا عن مقارعة الأفكار بالأفكار، لم يكن ابن مدينة عين بني مطهر الشهيد عمر بنجلون يتصور أو يدور بخلده أن تكون أفكاره و أطروحاته التي تناصر الجماهير الشعبية و دفاعه المستمية عن اختياراته في الديمقراطية و حقوق الطبقة العاملة و محاربة الانحراف النقابي سببا في خروج الفأران من جحورها زوال يوم الخميس 18 دجنبر 1975 لتنفد جريمتها النكراء بدم بارد بعد أن تلقت الضوء الأخضر باستهداف الشهيد عمر من تلك الزمرة التي اتخذت من فهمها الخاطىء للدين الاسلامي وسيلة لتمرير أفكارها التي كانت تعتمد الدم و القتل وسيلة لاسكات الأصوات المخالفة لتوجهاتها ، الرافظة لكل ما هو ديموقراطي، فعمر بنجلون لم يكن سوى واحد من أبناء هذا الوطن،واحد من المناضلين السياسيين القلائل الذين نذروا حياتهم لخدمة وطنه و قضاياها العادلة و نصرة قضايا امته العربية و الاسلامية و في مقدمتها قضية فلسطين المحتلة التي لم تغب يوما ما عن اهتماماته و كتاباته و لقاءاته داخل و خارج المغرب، لم يحمل سلاحا و لا بندقية بل حمل أفكارا و أقلاما للحرية و أوراقا للكرامة و الديمقراطية و الصحافة المتميزة، حمل صوتا مدافعاعن الطبقة الكادحة من عمال ، فلاحين ،طلبة و عاطلين ، لم تمنعه عملية الاستهداف بطرد ملغوم أرسل اليه سنة 1973 في محاولة اغتيال فاشلة استهدفت ايضا رفيق دربه في النضال الاستاد محمد اليازغي ، عن مواصلة طريقه في الدفاع عن الحقوق و الحريات و السير في الدرب و في اعطاء الدروس و العبر في ممارسة حزبية حقيقية مرتبطة اساسا بالجماهير الشعبية ملتصقة بهمومها تستمع الى نبضها و حقها في الشغل ، الصحة ، التعليم ، السكن و غيرها من الحقوق التي ظلت حاضرة في فكر الشهيد بعيدا عن الزعامة السياسية التي لم يكن في يوما من الأيام راغبا فيها، خبر صنوف التعذيب التي أذقها اياه الجلادون و تفننوا فيها ، عرفته العديد من الزنازن و السجون ، أحكام بالاعدام و أخرى بالمؤبد و عمر صامدا لم ينكسر، لم تغريه المناصب و لا حتى الحقائب يتحرك في كل مكان بروح وطنية و مسؤولية أخلاقية اتجاه اخوانه المناضلين و أبناء وطنه ممن قاسموه سنوات الرصاص بكل ما حملته من ألام و جراح.
18 دجنبر سيظل نقطة مضيئة في مسير النصال السياسي الوطني و مسيرة حزب متجدد وفي لتاريخية و لشهدائه ، لن نقبل اليوم بأقل من الحقيقة و الحقيقة كاملة غير منقوصة في عملية الاغتيال الجبانية التي ذهب ضحيتها الشهيد عمر بنجلون و قبله عريس الشهداء المهدي بنبركة ، و يبقى معها ارث عمر ملكا لكل الأصوات الحرة التواقة الى الحرية و الديموقراطية تستلهم منه الدروس و العبر لمواصلة استكمال المشروع الديموقراكطي الحداثي المجتمعي الذي بدأه الشهيد و سيظل اسم عمربنجلون البعبع الذي تخشاه تلك الدمى المتحركة التي أضاعت عن المغرب و المغاربة عقودا من التنمية الحقيقية بالحفاظ على مصالحها الشخصية حتى و ان كان الثمن هو احراق بلد بأكمله، كما أن استكمال مسلسل الانصاف و المصالحة الذي انخرط فيه الجميع لنتصالح كلية مع تاريخنا السياسي لن تكتمل حلقاته الا بالكشف عن حقيقة اغتيال الشهيدين المهدي و عمر و الكشف عن كل المتورطين و المساهمين في هاتين الجريمتين.
الطيب الشكري عين بني مطهر