لماذا رثاء المهندس خالد الغازي؟
حميد طولست
يُسائلني الكثير من قراء جريدتي الالكترونية “منتدى سايس ” والكثير من المواقع الوطنية والعالمية التي تنشر لي مشكورة ، عن الأثر البالغ الذي تركته وفاة المهندس “خالد الغازي” في نفسي ووجداني ، ومن تكن شخصية خالد حتى أخصه بكل هذا العزاء الحار والرثاء الكبير، ولإرضاء فضول المتسائلين المحترمين ، لم اجد أنسب من البيت الشعري البليغ:
هذا الرثاء الذي تمليه أشجاني*** أخطه ودموعي ملء أجفاني .
الذي بين فيه جبران خليل جبران أن الرثاء تفاعل نفسي تمليه الأشجان والعواطف ، وتفرضه منزلة الفقيد ومقداره لذى المعزين ، بالضبط كما حدث لي مع المهندس خالد الغازي الذي تركت وفاته في نفسي ووجداني أثرا بالغا وألما عميقا ، رغم حداثة معرفتي به ، والتي لا تزيد عن السنتين وبضعة شهور، إلا أنها كانت كافية لأكتشف – خلال المرات القليلة التي التقيت به فيها ، أثناء زياراتي لمصر- ما يتميز به من صفات الزهد والكرم والاعتداد الشديد بالنفس والكرامة ، والذي يحتم على كل من يقترب منه ، رثاءه بالخطب العصماء والقصائد المطولة ، التي تناسب ما يتفرد به من تميز يجعل منه إنسانا من نوع خاص لا حدود للقمة عنده ، استطاع – رغم ما كابده من مرارات خناجر مرض خطير ألم به ورافقه طيلة سنوات متوالية قضاها بين وخز الإبر وتجرع العقاقير – أن يحقق في زمان وجيز ما لم يستطع غيره تحقيقه عبر عقود ، حيث ابحر إبحارا متحمسا في ميادين تخصصه “رياضة سباق السيارات ” ومهنة تطوير سياراته ، التي أحبها وعشقها واتخذ منها عبادة انطلق من خلالها لتغيير مناخاتها ، وغاص في قطاعاتها لتصفية أجوائها ، وتدرج في سلاليم إبداعاتها وعطاءاتها ، لصياغة واقع رياضي تشاركي يعتمد على حق جميع المصريين فيها من دون أفضليات أو امتيازات أو خصوصيات أو مزايدات سياسية ، لا يهم فيمن يريد ممارستها انحداره الطبقيّ ، ولا حتى انتماؤه السياسي ، أو جنسيته ولونه ، كما يبين ذلك بلاغ (الجمعية .
.
.
.
)
ــ كان خالد يرحمه الله هذا الذي تسألونني عنه ، شخصا ثوريّاً من طراز آخر ، رغم أنه لم يحمل بيديه بندقية يوماً ، ولم يتعامل بسلاح فقط ، حيث كانت خبرته المتطورة وافكاره المتفتحة ، هما بندقيته التي خاض بها معاركه الشرسة ، مع المتطفلين على العمل الرياضي لانتزاع بعض المكاسب التي من شأنها أن تمنح رياضة سباق السيارات تألقها وكرامتها ، وتحسن من خدماتها وصيانة بنياتها الأساسية ، ومواجهة ترديها ، ولو أدى ذلك به إلى تكبد الكثير من الخسائر المادية والمعنوية ، ومع ذلك لم يتكاسل رحمه الله ولم يتوانَ ولم يتراجع عن انحيازه واندفاعه الذي لم يعرف المهادنة ، أو التراخي والتذبذب في الانتصار إليها ، حيث أنه لم يكن يجد سعادته إلا فيما يستطيع ويقدر أن يفعله من أجلها ، بتقاسمه هموم النهوض بعالمها وترقيتها .
.
إن الذي كان يدهشني فيه رحمه الله ، هو أنه في خضم كل ما تقدم من انجازاته الكبيرة وأعماله الجبارة – وما خفي كان أعظم- من دون الاهتمام باسمه وتلميعه ، كما يفعل الكثيرون بأسمائهم حبا في الظهور ، وحرصا على الشهرة والمال الذي كان لا يهتم أبدًا بجمعه ويعزف عن اكتنازه ، وإذا أتاه ، تصرف فيه بمنزلة العبد وليس بمنزلة الصنم ، لأنه كان سعيدًا مرتاحا راضيا بهنيء العيش دون الغنى .
.
وإن ما كنت أكبر فيه أنه كان يقوم بكل هذا وذاك ، دون أن ينسى واجباته تجاه أسرته وطفليه عبد الرحمان وملاك وزوجته العظيمة نهى ، إلى أن رحل عن عالمنا في صباح الجمعة 15/1/2014 حيث أغمض عينيه عن عمر 45 عاماً
ــ بالطبع أمثال هؤلاء ليسوا أناس عاديون كباقي البشر فهم مميزون مختلفون بمقدورهم الدخول إلى خلد ووجدان كل من يتعرف عليهم إلى حد أنهم يصبحون فرسان أحلام كل من تعرف عليهم أو قابلهم صدفة بكياسته ورقته وتواضعه ، حيث كان يراعي مشاعر شركاؤه ، فلم يكن يكلم غيره ، إلا بحساب ، مراعيًا ألا يغمط أحدًا حقه ولا ينسى من أحسن إلى الرياضة ولو بنظرة أو ابتسامة ،لأنه كان مسامحًا مع كل الناس ولا يجد في الحياة ما يستحق الخصومة أو أن يحمل الانسان في نفسه شيئًا منها .
أمام هذه الصفات والمميزات ، أى يستحق المرحوم خالد العزاء والرثاء الذي يليق بمقامه ومقداره ، والذي لا يقل عما جادت به قريحة “تامر بشير” خلال حلقة “دوس بنزين” التي خصصتها الفضائية المصرية ” المحور ” يوم 17/1/2014 ، والتي كانت مليئة بالرثاء والتأسّي والتعزّي والتفجّع على المهندس خالد الغازي ، الذي نتمنى له المجد والخلود في مثواه الأخير عند رب رحيم .
Hamidost@hotmail.
com