آسيـة العمراني : متى تصنعُ الحياة معادن الرجَال ؟؟

  نتجوّل بين صفحات معجم عربي أصيل التاريخ والأدب، رتبة حرف الراء بعد حرف الذال ، نبحث عن كلمة “رَجُل” رَ – رَ – رَجُ – رَجُل ، رجل في مُنجد الطلاب ، الرجلُ : خلاف المرأة .
تعريف تافه ، عقيم و أجوف ، لا يُفهم منه شيء ، مُجرد إتيان بضد للكلمة المراد البحث عنهَا .

        بعيدا عن المُعجم ، وبَعيدا عن تفسيرات الفلاسفة وأقوال المفكرين ، لاشيء كالحوار يشحذ الأفكار ويُحرض على توليدها ، فالأفكار كائنات حية ، تولد ، تنمو ، تشيخ وتموتُ ، والحقيقة : احتكاك الأفكار وتزاوجها ، أما الفكر الأحادي فإنه عقيم لا يُنجب ولاشيء مثل النقد يُفرز الأفكار وينقيها ، فيرعى الجيدة و يدفنُ الميتة.

       دعونا ، حتى لا نتجاوز سياج الموضوع نخترق الإشكالية ،الإجابة عن سؤال “ما الرجُل؟” تتطلب دراية شاملة بسيرة الشعراء ، الأحياء على صهوة الحصان ، بسيرة العلماء الكبار ، بسيرة المُبدعين في ميادين الحق و الموضوعية ، وسيرة العظماء الشجعان الذين لشرفهم  آنهارت الأشياء ، حين نكونُ على أتمّ إلمام بمفهوم الرجُلِ ، فإنه يكون من اليسير البحث عنه في زمن كهذا ، ليس رجلا للزواج ، وليس رجلا للعلاقات العابرة ، وليس رجلا للرئاسة والحكم ، وليس رجلا للمسؤولية ، وإنما رجلا تركع لجلالته المواقف ، وتخشى من ذاته صواريخ إسرائيل .

       نخرجُ ، نمضي في الصراطِ ، نبتسم لمن نعرف و نغضّ الأبصار عن المجهولين ، ونكف أدى اللاشيء عن الطريق ، ونُميطه عنه ، أمام ملأ من النساء والرجال ، والأطفال والشيوخ ، أمام الشيء واللاشيء، كيف نُميز بين النساء والرجال ؟ وقد بدا على كل منهما أوجه التشابه ؟ حتى غدا الرجل امرأة قحّـة لبرهة ، ولبرهة أخرى ، صار وحشًا برّيا ينكسر لعويلهِ الخشب الصلب .

      نواكب المسيرة ، لعلنا نتأمل وجوها تغطيها لحية سوداء وأخرى بيضاء تشير لمعالم الرجولة ، ولعل أحد منها يستحق وسام رجُلٍ، للأسفِ، ما كلّ تمنّيناه لم يحدث، لم نجدُ سوى أعمدة تتكنّى الرجولة .

       متى تصنع الحياة معادن الرجالِ ؟ وقد أوشكت الحياة على الانتهاء ، ولا رجلا على الأرض؟ فنحن لا نحتاج لرجال ذوي لقب “رجال” مُعـلقة على رؤوسهم الضخمة كالسفهاء الحمقى ، نرغب في وجود رجال نركع لشهامتهم ، ونخجل من نبلهم ، ونغبطهم على شيبـهم .

      نحتاج لرجال ، هم بريق شموع في ليال الشتاء.

      نحتاجُ لرجال تسمو بهم المواقف إلى عبق الجمال.

      نحتاجُ لرجال يحكمون ولا يتحكّمون في الحكم.

      نحتاج لرجال تغاضوا عن لياقتهم البدنية ، فانصرفوا نحو رياضة الحضارة.

      لا نحتاج لرجال تنصَهر أمام أفعالهم قِـطعات الحديد.

      ولا نحتاج لرجال كُلهم مَهابة وفزع.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد