ملاحظة هادئة حول العلمانية
عبدالقادر مسعودي
قبل الحديث عن العلمانية ، أريد أن أُعرج على سياق عام يطبع نقاشاتنا العمومية ، سياق تغلب فيه لغة الهجوم المبيت وكسب بطاقة الانتصار المسبق ، بعيدا عن لغة الحوار الهادئ والنقاش السليم والاختلاف الحضاري الذي يكون فيه المنتصر الوحيد هو الوطن .
.
.
وقد اخترت لهذا الحديث موضوع العلمانية كموضوع شائك وحساس في مجتمع تتعدد فيه الضربات تحت الحزام ، وتُحبك فيه مؤامرات قتل العقل واغتياله لغرض مُبطن ، هندسه صناع الأزمات في الخارج ، وتنفذه خبرة وكلاء الاستعمار الناعم بالداخل ، قتل يستهدف بالدرجة الأولى عناصر الوحدة الوطنية ووحدة الشعوب المقهورة ، عبر اختراق صفوفها وشق لُحمتها من أجل تأبيد الصراع والنزاع بإسم الدين والتقاليد والموروث المقدس .
ولطرح لموضوع العلمانية ،لابد من طرح سؤال حول مقومات النقاش الموضوعي والعلمي ، وهل نتوفر فعلا على آليات لخوض هذا النقاش في تجاذباتنا ونقاشاتنا العمومية والخاصة المتعلقة بمصيرنا كشعب ووطن يبحث عن مكان تحت الشمس ، شمس الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية .
.
.
وهناك ملاحظة بسيطة حول طريقة التعامل مع العلمانية ، وكيفية التسويق لها وضدها ، طريقة تحمل الكثير من الصخب والضجيج ، الذي يقتل في آخر المطاف الفكرة البداية ، ويفتح المجال لملاسنات ومزايدات مفتعلة ، تروم فقط التشويش عبر اعمال كل المعاول المدمرة للتواصل ، وحجب صواب الفكرة وقداسة الكلمة التي تحمل عمقا إنسانيا لامكان فيه للمستبد والفاسد ، فدعوني أطرح عليكم سؤالا ، ولكم الجواب عليه من يُدافع عمن ؟ هل سندافع نحن عن العلمانية ؟ أم العلمانية هي التي ستدافع عنا ؟
أعتقد أن هذا سؤالا بسيطا ، ولا يحتاج الى فتح جميع قواميس القذف والغضب والتجريح والزندقة لمجرد سماع كلمة علمانية ، وأظنه سؤالا مركبا ومشروعا ، يحتاج الى مقارعات نظرية وترسانة معرفية كبيرة ، تبحث في تخلفنا وتراجعنا من جهة ، وفي تقدم الغرب وريادته من جهة أخرى ، ولأن الشعوب مهما اختلفت هوياتها ومسارات تاريخها وجغرافيتها تكون دائما على موعد مع سؤال تقييمي لواقع حالها ، ترصد من خلاله نقط ضعفها وقوتها ، من أجل تصحيح المسار وتعزيز المكتسبات وهنا نعود الى تاريخ أوروبا ، خصوصا مرحلة ويلات الكنيسة وجرائمها والمواجهات التي سفكت وأبدعت في رسم أبشع لوحات الظلم والقهر باسم المقدس ، على أجساد علماء عهد الأنوار ، الذين شكلو تهديدا قويا لجبروت الكهنوت المتحالف مع الاقطاع ، لاستعباد البشر وحرمانهم من حقهم في التفكير والضمير ، وطاردت الكنيسة في هيستيريا مفرطة ، وأعدمت كل من يشكل تهديدا لها ولوصايتها وصكوكها ، ومن فظاعات هذه المرحلة يشهد التاريخ على محاكمة 90 ألف و320 شخصا أمام محاكم التفتيش القاتلة بتهمة إعمال العقل وتهديد زحف الكنيسة على كل مسام الحياة والعيش الآمن ، ولعل محاكمة غاليلي بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون على محنته مع الكنيسة وسلطتها المطلقة خير شاهد على رجاحة العقل ومصداقية علماء ومفكرين في القوانين المتحكمة في الكون وفي الطبيعة ، وإذا كان الموت قضية الأحياء وليس قضية الميت ، فرد الاعتبار لغاليلي هو اعتبار حقيقي لكل من يرفع لواء العقل والتحليل العلمي والمؤسس الذي دشنه علماء ومفكرون تركوا بصماتهم في تاريخ البشرية ،وكانت ضريبتهم رهيبة تتوزع بين القتل والنفي وإحراق كتبهم وعزلهم وكان هذا الاعتبار انتصارا تاريخيا للعقل والحق ، وانهزاما للفكر المتطرف الإلهي المطلق تحت شعار (كل شئ للكنيسة ) والمسافة التاريخية بين هذا الشعار وشعار ( الدين لله والوطن للجميع ) ، عرفت سيلانا جارفا من الدماء والمعاناة الإنسانية ، وصراعا مريرا بين العقل والخرافة ، بين الحق والباطل ، بين البناء والهدم ، مسافة تُوجت في آخر المطاف بانتصار قوة العلم والعلماء وثورتهم الكبيرة في مختلف نواحي العلوم الانسانية والطبيعية .
.
.
.
وحتى لاتُفهم إشارتنا خطأً ، فحديثي عن الكنيسة لايعني الحديث عن الإسلام لأن الإسلام يُكرم العقل ويُدافع عنه ، لكن سُلوكات وممارسات المتحدثين باسمه ، هم الذين شاركوا وتقاسموا مع رجال الكنيسة والإقطاع ، مؤامرة اغتيال العقل وتنصيب أنفسهم أوصياء على الشعوب وكان نصيب علماء المسلمين ومفكريهم لايقل ضراوة وبشاعة عن نظرائهم المسيحيين ، ومن غريب الصدف أن القتلة عبر التاريخ الإسلامي يستشهدون بعلم وإبداعات ضحاياهم ويُوثقون بها عهد أنوارهم وانطلاقة فكرهم من خلال اسكيسوفرينيا صارخة لازالت مستمرة في حربها على كل من يحاول كسب مساحة أوسع للعقل والمنطق ، ويجعل منا شعوبا قادرة على التقارع الفكري بعيدا عن لغة التعصب والسيف .
لكن سرعة الشعوب الأخرى كانت أكبر من سرعتنا في كسب الصراع وعودة إشراقة الأمل الى حياتهم وتاريخهم ، وتأسيس دولتهم على الأرض ، دولة لاوجود فيها للظلم والتراتبية العرقية والنسب الشريف ، عنوانها القانون والعدل الفيصل الوحيد في جميع تفاصيلهم ، فدبت الحياة عندهم من جديد في ظل بانوراما غير مسبوق في التاريخ الإنساني .
والسؤال المطروح عندنا لماذا هذا المفهوم الشرس حول العلمانية ؟ لماذا هذا التبذير شمالا ويمينا لمليارات الدراهم من أجل تشويه حمولة هذا المصطلح ؟ لماذا لايُفتح نقاشا هادئا حول هذا المفهوم ؟ أن تكون رافضا للعلمانية ، ليس مشكلا ولكن أن ترفع شعار عفا الله عما سلف فهذا مشكلا حقيقيا ، وأن تكون رافضا للعلمانية ، فهذا حق مكفول في إطار حرية الفكر والتعبير ، ولكن أن تبلع لسانك في قضية العفو على مغتصب الأطفال الاسباني ، فهذه كارثة بكل المقاييس ونقطة تُسجل لكل المدافعين عن العلمانية الحقيقيين ،الذين خرجوا للتنديد وجعلوا الاقتراب من أطفالنا خطا أحمرا ، وكان نصيبهم حملات قمعية شرسة رسمتها دماء الشرفاء المتناثرة في شوارعنا ، أمام صمت مهول للمتأسلمين لست أدري إن كان هذا الصمت واجبا شرعيا يدعو اليه إسلامنا الحنيف ، فحاشا أن يكون إسلامنا يُبيح الاعتداءات الجنسية على الأطفال ، وحاشا أن يرفع شعار عفا الله عما سلف أمام التماسيح والعفاريت الذين نهبوا برا وبحرا وجوا .
أمام هذه الأمثلة لازال موسم فضائح ذوي اللحي يفرز الكثير من نقط الإستفهام حول مواقفهم غير المفهومة والتي تستدعي وقفة تأملية لفك شفرتها وإعادة تركيب قطعها من أجل فهم ما يجري حقيقة على الأرض ، فهذا داعية أبدع في إطلاق خُطب وفتاوي في ألمانيا ، خطب تُحرض على العنف وجيش من جيش ، واقتنع من اقتنع وأعلن حربه على الدولة وعلى الأحزاب والجمعيات والديمقراطية واعتبرهم طواغيت وجب محاربتهم ، لايهمنا في هذا المجال اعلان توبته ، بل يهمنا آلاف المعاناة التي سببها لعائلات كثيرة ووضعها في خانة ممنوع الاقتراب منها وفي عُزلة حقيقية زادت من معاناتهم في غياب ذويهم الذين وضعوا ثقتهم في ذئب كان يُخطط لمصلحته الشخصية بغلاف ديني وخطاب تحريضي خلق منه كاريزما يضغط من خلالها ليخرج في الأخير في عباءة مخزنية تُعلن مراكز الاعتقال ، فندقا من خمسة نجوم ، ومديرا للاستخبارات رجلا كفؤا ونزيها ، وهناك طريفة شاهدة على تقلبات هذا الشخص ، فبعد أحداث 16 ماي 2003 ، هاتفه أحد الصحفيين الاسبان إيغناسيو سيمبريرو لاستفساره عن الأحداث فكان جوابه أنه لايتكلم مع غير المسلمين ، وبعد اعتقاله أصبح هذا غير المسلم مسلما وهاتفه هو من السجن ليُحيطه بظروف الاعتقال وصك الاتهام ضده ، في الحقيقة كانت هذه الواقعة مؤشرا قويا عن نوايا هذا الشخص الذي نُسائله اليوم عن حربه التي قادها بأتباعه ، أليس حريا به أن يُؤمن مصير من شاركوه نفس الحرب ؟
أليس حريا به كذلك أن يُعلن توبته أمام الشعب ويُؤمن مخرجا سلسا لكل من شاركوه خرافاته ؟ .
إن الحديث يطول في هذا المجال ، وهذه أسئلة نطرحها للتأمل في واقعنا الحضاري والإنساني من أجل فرز أسئلة حقيقية تجيب عن دهشتنا أما حالات الانفصام التي تُعاني منها نُخب وطننا ، وإعلام تائه وراء فُتات السلطة وقنوات تلفزية تُهيمن عليها شُميشة بحلقات الطبخ ، فبدل هذا الطبخ نريد قنواتا تثير نقاشات وحوارات مفكرينا حول الطبخ الحقيقي الذي يجري بعيدا عنا ، وبدقة متناهية تستهدف وحدتنا وتاريخنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وبدل برنامج الخيط الأبيض الذي يُصور ويُروج على أن مشاكل العباد تُحل بمجرد كلمة أو دمعة نريد خيطا أبيضا يُصالحنا مع تاريخنا ويسمح لنا بقراءته من جديد لأنه يتعلق بمعركة وجودية حاسمة للمجتمع في معركة البناء .
وأختم بسؤال وُجه الى محمد مهاتير رئيس ماليزيا حول سر تقدم دولته فكان جوابه مُقتضبا ووازنا ، حين أُريد الصلاة أتوجه قبلة مكة ، وفي معركة بناء دولة ماليزيا أنظر ناحية اليابان ، أنا لاأطلب من حُكامنا النظر الى اليابان ، فهذا سيصيبهم بصدمة لأن هامش تخلف القطارات!عن موعدها في السنة هو سبعة ثواني ، بل أطلب منهم فقط إعادة النظر في سيرتهم المليئة بالاستبداد والنهب والفساد والظلم و.
.
.
.
.
.
و .
.
.
.
.
.
علهم يخجلون من أنفسهم .
.
.
.
.