الدولة البرغواطية الامازيغية _ النشأة والتطور …(الحلقة الأولى)
احمد ونناش
قبل الدخول في بعض التفاصيل لابد من استحضار ما قاله المؤرخ والمفكر عبد الله العروي في مفهوم التاريخ
يرى العروي أن المشكل يكمن بالأساس في الوعي بإشكالية المنهج،فحتى إن تقيد الباحث بالقواعد النقدية التي تعلمها في الجامعة،ونقب على الوثائق الأصلية،واجتمعت فيه كل الصفات الحميدة،فإن ما يؤخذ عليه هو اطمئنانه إلى ما تعلم وقرأ،لا يريد أن يتذكر ويذكر،ويتناسى بأن المنهج المتبع محدد بالزمان والمكان،ومطوق بسلسلة من الإشكالات،وبما أن صاحب البحث يفتقد لهذا المنظور، بحيث لا يرى المنهج في إطار التحولات التاريخية،فإنه يقدم لنا دراسة كافية وشافية،ولكنها غير تاريخية.
استنادا لما جاء به الدكتور” محمود إسماعيل” في دراسته القيمة المعنوية للدولة البرغواطية الامازيغية ،التي اتخذت “شالة”عاصمة لها ،وعلى امتداد من نهر أبي رقراق إلى مصب نهر أم الربيع ، والمعروفة قديما بمنطقة “تامسنا” الشاوية حاليا ،وهي مناطق كانت خصبة ومتحضرة ،بالنسبة إلى باقي مناطق المغرب ،وسوف أركز على بعض الجوانب ، لا إلى تفاصيل الاشياء،والتي من شأنها أن تفتح أمام القارئ ،تساؤلات لعلها ترشدنا إلى معرفة ،حقبة تاريخية ،لم تشفي غليل الباحثين والدارسين لها .
دولة دام حكمها خمسة قرون نمابين 100 ه و500 ه.
.
ولإنارة دربنا نحو ظروف نشأة الدولة البرغواطية وتطورها وما خلفتها من حضارة ،سنقعد ر الدراسة التي قام بها الدكتور “محمود إسماعيل” بحيث تعتبر من أحسن الدراسات في هذا المجال .
يقول محمود إسماعيل::
.
”نزعم انه بفضل هذا المنهج أمكن صياغة تاريخ برغواطة لأول مرة صياغة جديدة منقحة وحسم قضية الخلاف حول أصول عقيدتهم حسما جازما في لغة منطقية عقلانية هي لغة الأفكار الواضحة المتمايزة”
ويضيف ونحن نجزم بالأصل الإسلامي لعقيدة برغواطة ،وإنها صورة متطرفة من صور المذهب الخارجي الإسلامي.
ويبدو التأثير الجغرافي واضحا في عقيدة برغواطة،فظلت محافظة على المذهب الصفري بعد زواله من كافة بلاد المغرب عقب ظهور الفاطميين ،ولكن بسبب العزلة أيضا اتخذ طابعا مسرفا من التطرف….
فبرغواطة لم تتقاعس عن الإقبال على هذا المذهب ،فنعلم آن زعيمها طريفا ( هو “طريف بن ملوك” ويكنى بأبي” صالح”)الذي يعتبر الزعيم الروحي للدولة البرغواطية ، التقى “عكرمة “داعية الصفرية في القيروان،وأخذ عنه مذهبه ثم عاد لنشره بين قومه ،ونقلوا أيضا ، آن طريفا كان ذا شهرة طيبة بين أمازيغ المغرب الاقصى لبلائه في افتتاح الأندلس ،وقد أدرك صالح بن طريف أن برغواطة، في حاجة إلى التبصير بأصول المذهب وأحكامه فكرس السنوات الست التي قضاها في الحكم من أجل تلك المهمة.
.
وعلى ذلك فلا مندوحة عن رفض الروايات الأسطورية، التي تزعم أن “صالح “ادعى النبوة ،وشرع شريعة جديدة أوصى ابنه “الياس”يدعو بها من بعده ، وكذلك الرواية القائلة بأنه رحل الى الشرق، ليعود في دولة السابع من ملوكهم ،وزعم انه المهدي الأكبر، الذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجال ،
ويستخلص من هذه الأقوال قوله :والخلاصة أن تاريخ برغواطة أمكن صياغته في إطار تاريخ المغرب الإسلامي، وان عقيدتها تمثلت في المذهب الخارجي الصفري ،وان هذا المذهب كان ايديولوجية هذه الدولة منذ قيامها.
.
ويسوق عددا من الأدلة، التي تؤكد صفرية العقيدة البرغواطية ،منها الرواية القائلة بان” صالح” غاب ليرجع في عهد الإمام السابع ،ذات دلالة على خارجية العقيدة .
إذ تتسق مع الفكر الاجتماعي عند الخوارج ،وكذلك وصية صالح لولده الياس بعدم البوح بالدعوة، وذلك مع فكرة التقية في المذهب الخارجي الصفري الذي يجوز التقية في القول دون العمل…
ويضيف أن زعم” البكري”أنهم يقيمون ،خمس صلوات في اليوم ،وخمس صلوات في الليلة ،له دلالة على إسراف الصفرية في العبادات حتى لقد قيل بأنه سموا صفرية لاصفرار وجوههم من كثرة العبادة ،ونفس التفسير ينسحب على القول بان يوم من كل جمعة فرض من فروضهم ،وكذلك القول بأنهم لايأخذون من المسلمين العشر كزكاة وعدم الزواج منهم.
.
قاعدة فقهية مميزة لفكر الخوارج الصفرية،لأنهم اعتبروا أنفسهم مسلمين وما عداهم كفرة .
ويضيف أن ما حكي عنهم من تطرف في العقوبات الجنائية كقتل السارق ورجم الزاني ونفي الكذب هو من تطرف الصفرية ،ومن سمات هذا التطرف العقوبات الجنائية كقتل السارق ورجم الزاني ونفي الكاذب .
.
ومن سمات هذا التطرف ( الاستعراض واخذ المخالفين بالسيف وفي ذلك تفسير لقول ابن خلدون عن حرق المدن واستسلام أهلها بالسيف .
ويضيف إلى هذه الأدلة، قول البكري :ان برغواطة أعلم الناس بالنجوم ،وهذا يدل على اعتناقهم المذهب الخارجي لان علم الفلك من أهم العلوم عند الخوارج .
.
تلك بعض الادلة التي سيقت لتؤكد على صفرية الديانة البرغواطية ، بعض هذه الأدلة منطقي جانبه التوفيق….
يتبع لمناقشة هذه الأدلة واستعراض بعض النصوص الذي ذكرها الدكتور محمود اسماعيل في كتابه(الخوارج في المغرب الإسلامي )وهي اطروحة الدكتوراة للمؤلف.