آداب وأحكام متعلقة بيوم عاشوراء

عبد السلام أجرير

-إن عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم، وهو مأخوذ من رقم عشرة كما هو ظاهر، فمثلُه مثلُ تاسوعاء وثاموناء.
.
.

– وقد كان هذا اليوم معظما جدّا عند العرب في الجاهلية وعند غيرهم من الأمم، وخاصة عند أمة اليهود.
فقد روى الإمام مالك رضي الله عنه في موطئه ((عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، «فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَه»)).

وكما كان يعظمه أهل الجاهلية عظمه أيضا اليهود؛ لأن فيه أنجى الله موسى عليه السلام وقومه، وهلك فرعون وقومه بالغرق، فقد جاء في صحيح البخاري ((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا، يَعْنِي عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَه مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقَالَ عليه السلام «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ» فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِه»)).

– وقد كان صيام يوم عاشوراء واجبا فرضا في بداية الإسلام، وهو أول ما فُرض في الصيام قبل فرض صيام رمضان، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه ((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ رَمَضَانَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْه»)).

وروى البخاري أيضا ((عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «صَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِك»)).

– وفضل صومه عظيم، ويكفي فيه أنه كان واجبا ثمّ نُسخ، ولكنه بقي سنّة للقادر عليه إلى يوم الدين.
وقد كان عليه السلام يحبّ صومه ويحرص عليه، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه ((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا اليَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَان»)).

ومما يُظهر فضل صيام هذا اليوم العظيم، ما ورد في صحيح مسلم أنه عليه السلام قال: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَه«.

* أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا اليوم المبارك ما يلي:
1- صيامه تقرّبا إلى الله تعالى وتسنّنا بسنة خير الهداة عليه الصلاة والسلام وآله.

2- استحضار نعم الله تعالى فيه لأنه يوم عظيم فيه أنجى الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام، ونحن أحق بموسى وجميع الأنبياء عليهم السلام.

ويُروى في الآثار أن فيه تاب الله على آدم عليه السلام، وفيه وصلت سفينة نوح عليه السلام إلى بر الأمان، وفيه نجى الله تعالى إبراهيم الخليل من النار، وفيه نجى الله سيدنا يونس من بطن الحوت، وفيه أنجى الله يوسف من غياهب الجب ورد فيه بصر أبيه يعقوب عليهما السلام.
.
.
إلى غير ذالك من الأحداث التي تُروى في كتب الآثار والتاريخ أنها وقعت في يوم عاشوراء العظيم.

وسواء صحت كل هذه الأخبار أو لا فإن الأكيد أن الله أنجى فيه موسى وأهلك فرعون بدليل الحديث الصحيح، حيث وافق النبي عليه السلام على وقوع هذا الحدث مُقرّا لليهود بصحة هذا الخبر.

3- ومن سنن صيام يوم عاشوراء أن يكون مسبوقا بصيام اليوم التاسع، أو ملحوقا باليوم الحادي عشر، والأولى صيام التاسع؛ لأن النبي عليه السلام أمر بصومه ندْبا؛ ليكون في ذلك مخالفة لليهود، ومخالفتهم مطلوبة على كل حال.
فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أنه عليه السلام قال: ((«لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»)).
واليوم التاسع هو الذي قبل عاشوراء في أصح الأقوال.

ومن زاد صيام اليوم الثامن قبل التاسع والعاشر أيضا فهو حسن، وقد جاءت فيه آثار.

4- وصيام عاشوراء مندوب وليس بواجب خلافا لبعض أهل العلم، وهو خلاف غير معتبر تماما لشبه إجماع الأمة على أن المفروض في الصوم رمضان فقط.
قال الإمام ابن عبد البر المالكي في كتابه الكافي: ((وصيام عاشوراء مرغوب فيه مندوب إليه)).

* فريضة الزكاة وعلاقتها بعاشوراء:
مما يرتبط بعاشوراء في عرف الناس الزكاة، أو ما يُعرف ب”العشور” في الدارجة المغربية، أي الزكاة الواجبة في الأموال؛ فمحرم بداية التقويم الهجري الذي عليه التعويل في حساب الحول في الزكاة.

والزكاة ركن من أركان الإسلام كما هو معلوم، وقد ارتبطت في القرآن بالصلاة غالبا.
والنصوص في هذا كثيرة جدا، منها قوله قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ قَدْرَ الَّذِي يَسَعُ فُقَرَاءَهُمْ، وَلَنْ يُجْهَدَ الْفُقَرَاءُ إِلَّا إِذَا جَاعُوا وَعُرُّوا مِمَّا يَصْنَعُ أَغْنِيَاؤُهُمْ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ مُحَاسِبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِسَابًا شَدِيدًا، وَمُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا نُكْرًا»، رواه الطبراني في الأوسط.

والزكاة مثل الصلاة، فريضة فرضها الله على جميع الرسل والأمم السابقة، وليست خاصة بمحمد وأمته فقط، فقد ذكر الله تعالى عقب كلامه عن مجموعة من الأنبياء فيهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، فقال في حقهم: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
.
.
}.
والنصوص الدالة على وجوب الزكاة على الأمم السابقة كثيرة جدا في القرآن الكريم والسنة النبوية.

– ويشترط -لوجوب الزكاة- النصاب ومرور الحول، فالنصاب: أن يبلغ المال المملوك قدرا معينا، فلا تجب الزكاة إلا على من ملك نصاباً، والنصاب معناه في الشرع -ما نصبه الشارع علامة على وجوب الزكاة؛ سواء كان من النقود أو غيرهما – ويختلف مقدار النصاب باختلاف المال المزكَّى.

أما مرور الحول فمعناه أن لا تجب الزكاة على المكلف إلا إذا ملك النصاب، ومضى عليه حول (أي سنة) وهو مالك له ولم ينقص على القدر المحدد.

أما الأنواع التي تجب فيها الزكاة فأربعة أشياء: النوع الأول: النّعَم -وهي الإبل والبقر والغنم وما في مقام هذه الأنعام-.
والنوع الثاني: الذهب والفضة وما في معناهما.
والنوع الثالث: عروض التجارة كالألبسة والمعدات المهيأة للتجارة.
والنوع الرابع: الزروع والثمار.

ولا تجب الزكاة في دور السكنى، وثياب البدن، وأثاث المنزل، ودواب الركوب، وكذا السيارات المقامة مقام الدواب في الاستعمال والمهنة، وسلاح الاستعمال، وما يتجمل به من الأواني إذا لم يكن من الذهب أو الفضة، وكذا لا تجب في الجواهر كاللؤلؤ، والياقوت والزبرجد؛ ونحوها إذا لم تكن للتجارة، باتفاق المذاهب، وإلا ففيها الزكاة من باب عروض التجارة.
.
.

وكذا لا تجب الزكاة في آلات ومعدات الصناعة مطلقاً، سواء أبقي أثرها في المصنوع أم لا، وكذا لا تجب في كتب العلم إذا لم تكن للتجارة، سواء أكان مالكها من أهل العلم، أم لا.

وتُصرف الزكاة للأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب؛ والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل}.

– إن الغاية من فرض الزكاة أن تزول الفوارق الاجتماعية الهائلة بين الأغنياء والفقراء، وأن يُرد اليسير من مال الأغنياء الكثير إلى الفقراء والمساكين، وفي أداء الزكاة طاعة لله وعبادة ربانية، وخدمة إنسانية، وتكافل اجتماعي، وتضامن مجتمعي، ومحاربة للتسول والتهميش.
.
.

فهذا باختصار ما يتعلق بآداب صيام عاشوراء وأحكامه وما يتعلق به.
والله تعالى أعلى وأعلم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد