من يحمي طفولتنا من شبح الاغتصاب؟
إذا كان البيدوفيل الإسباني “دانيال كالفان” قد أسال مدادا كثيرا جراء الزوبعة الإعلامية المصاحبة لقضيته، والحراك المدني الذي رافق حيثيات ملفه الجنائي أواخر سنة 2013 بعد أن نهش لحوم إحدى عشر قاصرا، فإن أحداثا أخرى كثيرة مرت مرور الكرام دون لفت انتباه أحد، تتعلق جميعها باغتصاب الطفولة والبراءة، يكون أبطالها عادة مغاربة أو أجانب قصدوا المغرب لذات الغرض.
فما يطفو على صفحات الجرائد وشاشات وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة والسمعية البصرية يوما بعد يوم، يشير بوجود أزمة حقيقية تتهدد السلم الاجتماعي وتضع أجيالا كاملة تحت ربقة الضياع، ذلك أن الاغتصاب حجز لنفسه حيزا هاما بين الأحداث اليومية التي نتعايش وإياها ونحاول التطبيع معها بلا وعي.
إن الاعتراف بوجود هذه الأزمة جزء لا يتجزأ من الحل، فما دمنا نسلك الطريق السهل، ونتجاهل هذا الورم الخبيث داخل النسيج الاجتماعي ونلجمه بلجام ال”طابوهات” المسكوت عنها نكون قد ابتعدنا كثيرا عن جادة الصواب.
نفس الحافز وجب أن يجعل جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية تدق ناقوس الخطر وتقف في آن واحد سدا منيعا في إعلان الحرب ضد هذا الداء الفتاك.
فالأسرة ينبغي أن تتحمل قسطا هاما من المسؤولية، بمراقبة أبنائها والذود عنهم ضد ما يتهدد حياتهم النفسية والجسدية، وتجلب لهم ما ينفعهم دنيا وأخرى، وتحسن تربيتهم وتعليمهم، وتراقبهم داخل وخارج البيوت، وتعرضهم للمساءلة في كل وقت وحين.
أما المدرسة فعليها ان تقرر برامج تضمن للنشء كرامتهم، وتلقنهم حقوقهم وواجباتهم، وتعرفهم بمخاطر الاستغلال الجنسي بكافة ألوانه.
وعلى الإعلام أن يتغيى في برامجه توعية الطفل بمكامن الخطورة في الاستغلال الجنسي، ويجند إمكاناته لمتابعة قضايا المغتصَبين والمغتصبِين، لتنوير الرأي العام حتى لا تقع المجتمعات فريسة الاستهتار بكرامة أفرادها.
وعلى الجمعيات وكافة التنظيمات المدنية أن تمارس أدوارها التوعوية وتأخذ بزمام المبادرة في الترافع على حقوق ضحايا الاغتصاب، وتكثف أنشطتها التثقيفية مستهدفة كافة الأطياف، وفق ما تتطلبه البيئة المغربية والخاصية الثقافية لهذا المجتمع، بعيدا عن التغني بتبعية “ماما فرنسا”، التي يكفينا منها ما صدر من أحد مواطنيها بمراكش في الآونة الأخيرة.
أما الدولة فعليها أن تجند سلطها (التشريعية، القضائية والتنفيذية) لمجابهة هذا الداء الفتاك، بتشريع نصوص قانونية زجرية يطبقها القضاء بكل استقلالية وتنفذها الأجهزة التنفيذية وفق المطلوب، كما يقع على عاتقها مهمة محاربة أسباب الاغتصاب من فقر وتهميش وظلم اقتصادي، ووضع حد للممارسات الجنسية التي لم تؤطر بفعل الزواج.
.
هذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال في خضم الأحداث المتعاقبة بشأن اغتصاب الطفولة بهذا البلد الرحيب، لكن الرياح ربما تجري بما لا تشتهي السفن، حتى صرنا نستهلك بشره أخبار الاغتصابات كما نتناول قهوتنا الصباحية.
فكلما وقعت حادثة من هذا النوع استفحل الداء أكثر مما مضى داخل ثنايا المجتمع، وصار شبح الاغتصاب ملازما لطفولتنا يتهددها أنى حلت وارتحلت، ويوما ما سيستيقظ في ضمائرنا ذلك السؤال القديم الجديد: من يحمي طفولتنا من شبح الاغتصاب؟
بقلم : ذ أحمد اضصالح