بين الزّاكي ورونار.. أزمة مدرّب أم أزمة تخطيط؟

 “بل إن التخطيط الرسمي يشكو في البلدان النامية من جزئية النظرة ومحدوديتها، توضع مشاريع كثيرة، وتصرف عليها الأموال الطائلة، ولكنها تظل مشاريع معزولة، أو قطاعية، لا تدخل ضمن تخطيط شامل، ولا تدرس أبعادها ونتائجها انطلاقا من حالات مختلف قطاعات المجتمع”.

 كانت هذه واحدة من أهم الخلاصات التي وصل إليها الدكتور (مصطفى حجازي) في دراسته: “التخلّف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجيّة الإنسان المقهور”، وقد كان في ذلك مصيبا إذا نظرنا بإمعان إلى ما تعيشه مختلف المشاريع والمخططات التي تعاني التّخبّط وأزمة ضيق الأفق ببلادنا، ذلك أنّنا نتجرّع دوما تلك النتائج التي تفضي إليها، ونحاول التّعايش مع صدماتها بنوع من اللاّمبالاة لكثرتها وتناسلها وتواترها.
.

  فلو أخذنا قطاع “الكرة” نموذجا، لوجدناه عشّ الدّبابير الذي يلفّه الغموض، ويغلب عليه طابع العشوائيّة والارتجالية، يتقاذف القرارات كما يتقاذف اللّاعبون الجلد المدوّر على المستطيل الأخضر، وبين قرار وقرار يباع الوهم للمواطن البسيط على شكل “فتوحات” كرويّة لا توجد إلاّ في مخيّلة صانعيها، والأدهى أنّها تكلّف دافعي الضّرائب الكثير من الأموال.

  نزول “بادّو الزّاكي” من قيادة ربّان الفريق الوطني واحدة من قرارات التّخبّط الذي نعيش على وقعها –أيّا كانت الأسباب- دون تحقيق المراد من برنامج مسطّر غلب عليه الوهم وبيع الوعود الزّائفة أزيد من 20 شهرا، ودون تحديد المسؤوليّات حتّى تسهل المحاسبة وردّ الاعتبار للمؤسّسات.

 إنّ المهتمّين بالشّأن الكروي يدركون تمام الإدراك أنّ المدرّب ليس وحده المسؤول عمّا آلت إليه وضعيّة اللّعبة الشّعبيّة في هذا البلد، لكنّه يبقى دوما كبش فداء تعلّق عليه ذنوب الكرة من القائمين عليها امتصاصا لغضب المتتبّعين الذين يحلمون مع كلّ بطولة بفريق كرويّ قادر على حمل العلم الأحمر خفّاقا على رأس بلدان القارّة السّمراء.

  فهذه الفترة التي قضاها “بادّو” مدرّبا ل”الأسود”، والمباريات التي خاضها بهذه الصّفة، ليست كافية للوقوف على مجمل ما تضمّنه بلاغ الجامعة المكتوب بتؤدة ورونق بديع، بعد اجتماع العاشر من فبراير: “بعد أزيد من عشرين شهرا على رأس الطّاقم التّقني للمنتخب الوطني الأول، وعدم الاستقرار الذي طبع اختيارات النّاخب الوطني.
.
“.
وكأنّي بهؤلاء يريدون أن يقنعونا مجدّدا ودون حياء أنّ “منتخبنا” يعيش نجاحا زاهيا، اللهمّ إلاّ فترات معدودة كهذه التي نحن فيها، وأنّ الانتصار لعقدة الأجنبيّ في شخص “هيرفي رونار” حسب وسائل إعلام فرنسيّة سيعيد “المنتخب لسكّته الصحيحة”.

  بربّكم، هل هنالك وهم كرويّ أكبر من هذا؟

  سنة (2014)، حملت ألمانيا كأس العالم للمرّة الرابعة في تاريخها، بعد مباراة رهيبة تحبس الأنفاس على أرضيّة ملعب “الماراكانا” البرازيلي، إثر هدف  “ماريو جوتزه” القاتل في الأشواط الإضافية، ليتحدّث بعدها المحلّلون عن ثورة كبيرة في عالم كرة القدم قادتهم إلى ما وصلوا إليه.
فكيف فعل الألمان ذلك وقد غاب اللّقب عن خزائنهم منذ سنة (1990)، لرفاق “لوثار ماثيوس” و”فرانز بيكنباور”؟

  بطبيعة الحال، لا يتعلّق الأمر بإقالة مدرّب وتعيين آخر، أو المناداة على لاعب دون آخر، أو بيع الوهم لدافعي الضّرائب.
.
، كلّ ما في الأمر أنّ البلد الذي خرج من الحربين العالميتين استطاع أن يعيد الوقوف على رجليه، واستفاد من أخطاء الماضي، ونظر إلى المستقبل بعين المخطّط، ووجد في ثروته البشريّة أغلى ما يملك، وأحسّ بأمانة حضارية تحمّلها وعليه تأديتها كما يجب، وفاء لكبار الفلاسفة ومنظّري النّهضة الأوروبّية في العصر الحديث.

  نظر إلى “الكرة” فوجدها قوّة ناعمة تصنع سياسات البلدان واقتصاداتها، ومجال تنافس يتعدّى حدود اللّعبة إلى تصريف القرارات وتوجيهها، فربّى أجيالا على البطولات وفق منهج واضح المعالم يبدأ من تكوين الصّغار، وتتويجهم بالبطولات كبارا في أكاديميّات كرويّة لها رجالاتها وخبراؤها.

  لكنّنا على عكس هؤلاء، نودّ قطف الثّمار بالمدرّبين، كأنّهم القطعة الفريدة التي تنقص مشروعنا الكروي الغامض.

  لنتّخذ من النّاجحين عبرة، ونزيل عن أعيننا غشاوة الوهم، ونجفّف دموع البكاء على أطلال الماضي.

  فالزّاكي وإن أخطأ لا يلام وحده، بل يستحقّ تكريما أكثر من غيره بعد إنجاز (2004) في تونس، ردّا لاعتباره، عندما  طُعن في الخلف بابن فرنسا “إيريك غيريتس” صاحب القصص الخياليّة في الأموال، والمغربي “رشيد الطّاوسي” مخترع النّواة و”فاخر” عجلة “السّوكور” في ظرفية وجيزة لا تسمح حتّى بمعرفة أسماء اللّاعبين.

  يعود (مصطفى حجازي) لوصف الدّواء، ووضع الإصبع على الجرح مرّة أخرى إذ يقول: “ذلك لأنّ إنسان مجتمعات –الدّول النّامية- لم ينظر إليه باعتباره عنصرا أساسيّا ومحوريّا في أيّ خطّة تنمويّة.
التّنميّة مهما كان ميدانها تمسّ تغيّر الإنسان ونظرته إلى الأمور في المقام الأول”.

 فهل يستطيع مخطّطو الكرة بهذا البلد إيجاد مشروع كرويّ واضح المعالم يتّخذ من الثّروة البشريّة منطلقه، وفق منهج تنمويّ مدروس؟

  إن كانوا يستطيعون الإجابة عن السّؤال أعلاه –عمليّا- فإنّ مونديال (2030) ليس بعيد المنال، وإلاّ فإنّ تغيير المدرّبين لا يقدّم ولا يؤخّر من أمر كرتنا شيئا، شأنه شأن تغيير الحفّاظات التي تكتفي بمصّ الحاجات البيولوجيّة للطّفل الصّغير حتّى لا تتسرّب الرّائحة المنتنة إلى خياشيم المحيطين به.

بقلم: أحمد اضصالح

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد