الجالية المغربية بين مطرقة معاناة الهجرة و سندان صراع الحضارات
رمضان بنسعدون
تشهد بلادنا عودة مكثفة للمهاجرين خلال عبور كل صائفة ، جالية لا يستهان بها بالقارة العجوز تتكون في الوقت الراهن من رعيل الثمانينات شمل نزرا قليلا من المهاجرين شاء لهم القدر الاستقرار بدول فرنسا ، ألمانيا و دول البينيلوكس ، نظرا للطلب المتزايد على اليد العاملة آنذاك من قبل الشركات الأوروبية بحيث شهدت القارة انبثاق السوق الأوروبية المشتركة خلقت نوعا من التنافس الاقتصادي الذي وصلت ذروته ثم تلت ذاك الرعيل الثمانيني صنفا آخر من المهاجرين يمثل شرائح من الشباب المغربي تذفق بكثافة نحو شبه الجزيرة الإيبيرية في وقت كانت الدول الأوروبية قد اعتمدت نظام شينغن بفرض التأشيرة عدا إسبانيا و البرتغال و قد ساهمت جاليتنا و بشكل كبير في إعمار و تنمية الدول الأوروبية ، فخلال الحقبة الاستعمارية و ما تلاها كانت الأقطار الأوروبية المتوسطية تعمد لاستقطاب اليد العاملة من حدائقها الخلفية و أعني بها مستعمراتها بإفريقيا خاصة منطقة المغرب العربي ، فكانت الحاجة ماسة لليد العاملة لكثير من دول أوروبا التي صممت اللحاق بالركب كإسبانيا مثلا التي كانت في العهد الفرانكاوي دولة فقيرة أرغمها على تبني استيراتيجية الانفتاح على العالم النامي خاصة شمال إفريقيا ، حيث جلبت إليها عشرات الآلاف من المهاجرين الشباب دون اعتماد نظام التأشيرة ، و بفضل اليد العاملة المهاجرة ، تمكنت إسبانيا من إنشاء بناها التحتية و تطوير اقتصادها الذي كان في وضع لا يحسد عليه بالموازاة مع باقي دول أوروبا .
.
و تضم إسبانيا أكبر عدد من العمال تمثل الجهة الشرقية برمتها و منطقتي بني ملال و الفقيه بنصالح و أزيلال بالمغرب و مما ساهم في تواجد هذا الزخم الهائل من المهاجرين بإسبانيا هو تنامي ظاهرة التهجير السري التي سهرت و لا تزال عليه مافيات تهريب البشر بحوض المتوسط تستقر بكل من وجدة ، الناظور و طنجة و في الجانب الآخر مورسيا ، قرطاجنة و آليكانتي فيما كانت فئة أخرى من الشباب عانق الهجرة صوب الفردوس المفقود سعيا منه تحسين أوضاعه الاجتماعية كان حظه عاثرا ، فلقي حتفه في مياه المتوسط مئات الشباب قدمت أجسادهم قربانا لحيتان القرش .
.
و نحن في بداية مراحل عودة الجالية المغربية من الخارج وصلت الطلائع الأولى من المهاجرين إلى أحضان الوطن و قد واكبت كصحفي عبور بعض أبناء إقليم جرادة ، أوضح أحدهم أن الجالية المغربية بأوروبا خاصة إسبانيا تعيش مشاكل جمة كالميز العنصري الذي ما فتئت تلوح به بعض الجهات المتطرفة كالنازية الجديدة ، الفلامان و الكطلان و غيرهم و بالفعل لا زالت الجالية المغربية تعاني أصناف أخرى من العنصرية ، دخلت منعطفا آخر عرف ما يسمى بصراع الحضارات الذي تأجج بشكل كبير عقب أحداث 11 شتنبر و 11 مارس و عقب تفجيرات منطقة سان دوني بفرنسا و مطار بروكسيل الإرهابية الدامية تعرض خلالها بعض من أفراد الجالية للاعتقالات و محاكمات تعسفية .
.
من جانب آخر لا يزال أغلب هؤلاء يتجرعون شتى ضروب الإهانة و الاحتقار و تضيق الخناق ، لا بل أزهقت أرواح العديد منهم بمختلف الدول الأوروبية و قد عادت عشرات الجثامين من المغاربة بينهم أبناء إقليم جرادة تعرض أغلبهم لعمليات اغتيالات بفعل الحقد العنصري من قبل جماعات متطرفة تكن العداء لكل ما يمت بصلة للعروبة و الإسلام نتذكر أحداث بلدة إيخيدو الإسبانية و أخرى بإيطاليا و بلجيكا و هولندة .
.
و في ذات السياق لا يزال عدد كبير من المهاجرين في وضعية غير قانونية ، معضلة تعاني منها الجالية ، تركت بصماتها في ظل غياب أية بوادر للتسوية .
.
فبالنسبة لإسبانيا في أعقاب إرخاء الأزمة الاقتصادية بظلالها عليها أصبح الحصول على بطائق الإقامة أمر صعب المنال كما يشكو الكثير منهم للبطالة هناك بإسبانيا بعد إفلاس كثير من الشركات ، فيما يعاني اللذين يتمتعون بالجنسية المزدوجة و ترعرع أغلب أبنائهم بالخارج تمزقا أسرويا كبيرا جراء انسلاخ فلذات أكبادهم عن القيم الوطنية و الدينية و اندماجهم داخل المجتمع الغربي ، و قد عبر العديد من الآباء عن قلقهم العميق و تذمرهم الشديد حيال المستقبل المجهول الذي ينتطر أبناءهم ببلدهم و انشغالهم بقضايا وهموم الوطن أصبح شأنا في غاية الأهمية للتكيف و الاندماج مع المجتمع المغربي ، و حتى ينسوا أنهم عاشوا يوما بعيدا عن وطنهم ، و لن يتأتى ذلك إلا بإنشاء العديد من المدارس و المعاهد الوطنية بديار المهجر و إيفاد أساتذة و أطر لتعليم اللغة العربية و التي كان يحرص عليها الراحل الحسن الثاني قيد حياته و القيام بندوات و إحياء حفلات الأعياد الدينية و الوطنية بالرغم من أن البعض من أبناء جاليتنا بالجهة الشرقية أقاموا جمعيات هناك و اشتروا محلات أقاموا بها مساجد هذا من جهة .
.
و من جهة أخرى يرى أغلب المهاجرين أن على الجهات المسؤولة التدخل على أكثر من صعيد لتسهيل عملية العبور بعيدا عن كل أشكال المضايقات و الاستفزازات التي لا زالت تقع بين الفينة و الأخرى و العمل على تقريب الإدارة منهم و ذلك بتسريع المساطر الإدارية و المعاملات الأخرى ذات الصلة اعتبارا لقصر مقامهم بأرض الوطن.
.