مدونة الأسرة الجديدة.. تمخض الجبل فولد خدجا

المختار العيرج – الرشيدية
انتظر المغاربة طويلا أن تنتهي الولادة العسيرة لمدونة الأسرة الجديدة التي شهدت النور يوم 23 ديسمبر 2024 فجاء المولود خدجا فوضعوه في الأنبوب مفتوحا على رياح الشرق و الغرب، الأصالة و المعاصرة، الحداثة و التقليد و بعبارة أدق الاسلام السياسي والتيار العلماني.. و سيظل كذلك إلى أمد غير معروف.
خرج الحداثيون من هذه “المبارزة” التي دامت شهورا بخفي حنين فلم ينالوا سوى الفتات: كحق المرأة في الحضانة بعد الزواج واقتسام التركة بعد الطلاق و أشياء أخرى كسقط المتاع، و لم يظفروا بالمساواة في الإرث ولا هم أدركوا إلغاء التعصيب.
منذ انطلاق المراجعة رفع الحداثيون السقف و ظل الترقب سيد الميدان رغم أن الحكومة عموما و وزارة العدل كانتا من داعمي المطالب ومن المشجعين على اغتنام الفرصة لتحقيق مكسب لم يجد الزمان بظرف ملائم له كزمان هذه الحكومة .
في المقابل ظل التيار المحافظ هادئا نسبيا متيقنا من استحالة القفز على النصوص الشرعية الواضحة، رغم أنه بعد انتخبات 8 شتنبر 2021 صار يشكل اقلية في البرلمان وخفت صوته في الشارع، ولم يعد يقوى على عرض عضلاته كما كان عليه الحال إبان المراجعة السابقة للمدونة في سنة 2003.
و في خضم هذا المسار الموسوم بـ”البلوكاج” إذ لا التيار الحداثي حقق قفزته النوعية و لا التيار المحافظ تمكن من شد الحبل و منع ما تيسر و لو أنه مجرد فتات، يطرح السؤال: هل كان التوقيت ملائما لهذه المراجعة ؟ فهل كان من الصائب ربط مراجعتها بمدة انصرام عقدين أم كان الأفضل اختيار التوقيت المناسب لمنعطف من هذا القبيل، و اتضح في حالة هذه الحكومة أن الأغلبية العددية بمجلس النواب ليست كافية لا سيما لما تكون سياسية فوقية و ليست شعبية في الشارع و التمثيليات النقابية و المجتمعية..
و لعل من أليق المناسبات التي وقع فيها احداث التغييرات بدون خسارات كانت هي فترة حكم المحافظين، ففي فترة إدارة حزب العدالة و التنمية لدوالب الحكومة مررت كل القوانين و القرارات التي لم يكن أحد يتوقع أن تمر بسلاسة كقانون التقاعد و التعاقد و اصلاح صندوق المقاصة و التطبيع مع اسرائيل، و هكذا يبدو أن التوقيت لم يكن ملائما كما غاب كذلك الفاعل الحكومي القادر على احداث الخرق و ادراك الهدف .
في التجارب الحكومية المغربية اتضح أن جل القوانين و القرارات الحساسة اتخذت بدون خوف من هواجس معينة، في عهد حكومتين: حكومة التناوب التوافقي التي مررت فيها الخوصصة و المغادرة الطوعية و المدونة السابقة في ظل تجاذب خطير و مظاهرتين متساويتين لكل من التيار السلفي و التيار الحداثي و حققت الحكومة الاشتراكية مبتغاها و لم تنحن للمعارضة.
و في عهد حكومتي العدالة و التنمية مررت كل القوانين المجحفة و القرارات الحساسة و كأن الأمر يتعلق بمقايضة الكرسي بكل ما يليق و لا يليق، أما في عهد الحكومة الحالية فالنتيجة واضحة و دالة: فالحكم بالأغلبية العددية في البرلمان يظل ناقصا و كاشفا عن نقص و عجز مرير، فالمدونة التي صيغت في المكاتب الحكومية تتغير في الشكل و الجوهر و مع ذلك تظل محسوبة على هذه الحكومة و قد تكون هي التي لن ينتظر المغاربة معها عقدين لتجديدها من جديد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد