“عيد بلا أضاحي” أم تسويق مقنّع؟ تطوان تعيش جدل الذبيحة المغلّفة بين التوجيهات الملكية والالتفاف التجاري
هبة زووم – حسن لعشير
في خضم الدعوة الملكية السامية التي أوصت بعدم ذبح الأضاحي خلال عيد الأضحى لهذه السنة، تضامناً مع الظروف الفلاحية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها المملكة، طفا إلى السطح في مدينة تطوان جدل صاخب حول أساليب بعض محلات الجزارة التي شرعت في تسويق “خروف العيد” مذبوحًا ومغلفًا، تحت شعارات تسويقية جذابة تتعارض في جوهرها مع فحوى التوجيهات الملكية ذات البعد الرمزي والديني والاجتماعي.
مصادر محلية مطلعة أكدت أن عدداً من المحلات التجارية المتخصصة في اللحوم الحمراء لجأت إلى أسلوب جديد للترويج لما تسميه “فرحة العيد”، من خلال تقديم أضاحٍ مذبوحة ومغلفة وموجهة للبيع المباشر للمواطنين، في خطوة اعتبرها عدد من المتتبعين “تحايلاً صريحاً على توجيهات عليا” تندرج ضمن سياسة اجتماعية واضحة، هدفها تقليص العبء المالي عن الأسر المغربية، وتجنيب البلاد اختلالات السوق الناتجة عن قلة العرض وارتفاع الأسعار.
ورغم أن بعض هذه المحلات تقدم منتجاتها في قالب قانوني من حيث الترخيص والجودة، إلا أن مضمون العملية التجارية يتنافى، وفق عدد من المهتمين، مع المقاصد العليا للنداء الملكي، والذي لم يفرض منعًا إدارياً بقدر ما قدم توجيهاً رمزياً يدعو إلى التعاطف الجماعي والمسؤولية التضامنية في ظرفية استثنائية.
في وقت سابق، أصدرت وزارة الداخلية تعليمات صارمة للولاة والعمال بمنع إقامة الأسواق الموسمية المؤقتة المخصصة لبيع الأضاحي، وهي خطوة فسّرت على أنها جزء من التفاعل المؤسساتي مع الرؤية الملكية التي حملت بعدًا استثنائيًا هذه السنة، حيث دعت إلى تقديم الأضحية كرمز، لا كواجب شعائري، في ظل التحديات المناخية وانعكاساتها على القدرة الشرائية للمواطن.
لكن يبدو أن غياب التنزيل الموحد لهذه التعليمات عبر مختلف المدن، ووجود ثغرات قانونية في طبيعة العقود التجارية المبرمة مع بعض المهنيين، سمح بظهور ممارسات تُعيد الأضحية إلى السوق، ولكن عبر “باب خلفي”، لا يراعي لا البعد الديني ولا الاجتماعي الذي أرادته الرسالة الملكية.
السياق الحالي يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول مدى نجاعة المنظومة الرقابية، وقدرة السلطات المحلية على فرض منطق موحد في التعامل مع التوجيهات السيادية، خصوصًا أن التفاوت بين المدن في التعامل مع ملف الأضاحي بدأ يكرّس انطباعًا بوجود قراءات مزدوجة للقرار، واحدة رسمية ترتكز على الالتزام الأخلاقي والمسؤول، وأخرى تجارية تسعى للاستفادة من هامش التسويق عبر عروض مغلّفة تُخفي الذبيحة داخل “كرتون”.
وفي مدينة مثل تطوان، التي تعيش منذ سنوات على إيقاع تحولات اقتصادية واجتماعية كبرى، تتحول مثل هذه القضايا إلى منابر لقياس منسوب الثقة بين المواطن والدولة، ومدى احترام الفاعلين الاقتصاديين للقرارات السيادية في بعدها غير القابل للتأويل أو التساهل.
رغم ما تحمله هذه المبادرات التجارية من محاولة “تلطيف” الأجواء داخل البيوت المغربية، إلا أن انزلاقها في مساحات الغموض القانوني والديني يهدد بتقويض البعد الرمزي للعيد، ويُفرغ التوجيهات العليا من محتواها التضامني.
فبين الذبيحة الشرعية والذبيحة المغلّفة، يظل السؤال الأكبر: هل يحقّ للمُستهلك أن يفرح، إن كان في فرحته التفاف على قرار ملكي حمل في جوهره روح المواطنة الحقيقية؟