مشروع “مياه آسفي – مراكش”.. حين تحول الشركة الجهوية الأوراش الكبرى إلى فوضى مقننة تحت أنظار السلطات الولائية

هبة زووم – ياسير الغرابي
وسط صمت مريب، يتواصل تنفيذ مشروع نقل المياه المحلاة من محطة التحلية بآسفي إلى مدينة مراكش، المشروع الذي يُفترض أن يُسهم في ضمان الأمن المائي لعاصمة النخيل، لكن واقع الحال يكشف أن أشغال الحفر ومد الأنابيب تحولت إلى نموذج صارخ لـ”العبث المقنن”، على مرأى ومسمع من السلطات الجهوية.
المشروع، الذي تنفذه أربع شركات كبرى بتكليف من الشركة الجهوية المتعددة الخدمات، يُنجز بسرعة قياسية يفترض أن لا تتجاوز مدته سنة واحدة، ويمتد على طول 160 كيلومترا، مع اعتماد أربع محطات ضخ رئيسية. لكن سرعة الأشغال لم تكن على ما يبدو إلا واجهة تُخفي وراءها اختلالات عميقة، في مقدمتها انتهاك حقوق ملاكي الأراضي، وغياب الشفافية حول مساطر نزع الملكية والتعويض.
مصادر من عين المكان أكدت لـ”هبة زووم” أن اجتماعات تمت بين ممثلي الشركات والملاك، لكنها لم تسفر عن أي ضمانات قانونية واضحة، بل استُعملت خلالها لغة “الترهيب الناعم” عبر تكرار عبارة “المشروع ملكي”، في محاولة لإسكات الأصوات الرافضة والتلويح بأوراق سيادية لتكميم الأفواه، في مشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات بائدة ترتبط بزمن “سنوات الرصاص”.
فأين اختفت لجان التتبع والمراقبة؟ وأين هي البلاغات الرسمية التي من المفترض أن ترافق مثل هذا المشروع الاستراتيجي؟ وهل تم فعلاً الشروع في إجراءات نزع الملكية عبر المحاكم كما ينص عليه القانون؟ أم أن قاعدة “الحمار ما تسيقوش لخبار” لا تزال تحكم العلاقة بين السلطة والمواطن في مناطق نفوذ “مشاريع الدولة”؟
الخطير في الأمر، أن بعض أوراش الحفر وُضعت على مقربة من الطريق الجهوية رقم 204 الرابطة بين آسفي ومراكش، مرورًا بالشماعية، دون احترام لشروط السلامة، وهو ما تسبب – وفق شهادات محلية – في وقوع حوادث سير مميتة كان من الممكن تفاديها لو احترمت الشركات شروط التسييج والاحتراز.
كل هذا يحدث في جهة يشرف على تدبيرها الوالي فريد شوراق، والمستبعد من منصبه مؤخرا، والذي عيّنه الملك محمد السادس من أجل الدفاع عن مصالح المواطنين، والسهر على احترام القوانين، لا التواطؤ – بالصمت أو التجاهل – مع فوضى المقاولات التي تحوّل مشاريع التنمية إلى أدوات اغتصاب جماعي لحقوق الناس.
إن المشروع في جوهره حيوي، ولا شك في أهميته الاستراتيجية، لكن طريقة تنفيذه تعكس صورة قاتمة عن واقع تدبير المشاريع العمومية في المغرب، حيث تغيب المساءلة، وتُعطى الأولوية للسرعة على حساب القانون، والسلطة على حساب الحقوق.
فهل تخرج الجهات المعنية عن صمتها؟ وهل تتحرك السلطات الولائية لوضع حد لهذا الانفلات قبل أن يتحوّل المشروع إلى قنبلة اجتماعية موقوتة؟ أم أننا أمام نموذج آخر يُضاف إلى سجل “الجهوية المتقدمة” حين تتحول إلى جهوية في تفريخ العبث واللاقانون؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد