هبة زووم – الرباط
في تطور لافت يعكس تزايد الأهمية الجيوسياسية للمغرب في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية، دعا الجنرال روبرت غرينواي، نائب مساعد الرئيس الأمريكي السابق، إلى نقل القاعدتين الجويتين الأمريكيتين “روتا” و”مورون” من إسبانيا إلى المغرب، في خطوة قد تعيد رسم ملامح التمركز العسكري الأمريكي في غرب البحر الأبيض المتوسط.
الجنرال الأمريكي لم يكتفِ بتصريح مقتضب، بل نشر تغريدة مصحوبة بمقطع فيديو للرئيس السابق دونالد ترامب وهو يهاجم إسبانيا خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معلقًا بالقول: “حان الوقت لنقل قاعدة روتا الجوية وقاعدة مورون الجوية إلى المغرب”.
هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها؛ فقد سبق لغرينواي أن عبّر عن دعم نقل مقر القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) من ألمانيا إلى المغرب، معتبرًا أن الرباط تُمثل شريكًا موثوقًا ومتقدمًا في المنطقة.
تصعيد أمريكي ضد إسبانيا
خلفية هذا الموقف تتقاطع مع تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها ترامب خلال مؤتمر صحفي بهولندا، حيث وصف إسبانيا بأنها “دولة مريعة”، مهاجمًا بشدة رفضها زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج الداخلي الخام، كما يدعو لذلك الحلف الأطلسي.
وهدد الرئيس السابق بإجراءات تجارية انتقامية ضد مدريد، مؤكدًا أن إسبانيا “ستدفع الثمن، ليس عسكريًا فقط، بل على المستوى التجاري أيضًا”، مما خلق قلقًا كبيرًا في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية وأثار احتمال تصاعد التوترات في العلاقة الثنائية الأمريكية-الإسبانية.
المغرب في قلب إعادة التموضع العسكري
تأتي هذه الدعوات الأمريكية في سياق إقليمي ودولي حافل بالتحولات. فالمغرب، بفضل موقعه الاستراتيجي المطل على المحيط الأطلسي وقربه من أوروبا والساحل الإفريقي، بات يُنظر إليه كحلقة وصل جيوسياسية وعسكرية مهمة.
كما أن التعاون العسكري المتزايد بين الرباط وواشنطن، الذي تجسّد في مناورات “الأسد الإفريقي”، وصفقات تسليح استراتيجية، يعزّز من هذه الفرضية.
وبينما يتحدث المسؤولون الأمريكيون عن “شريك موثوق”، يؤكد مراقبون أن البنية التحتية الدفاعية المغربية شهدت تحديثًا لافتًا في السنوات الأخيرة، ما يؤهل المملكة لاستضافة منشآت عسكرية أمريكية متقدمة، سواء كانت قيادة عمليات، أو مراكز لوجستية، أو حتى قواعد جوية كاملة.
ارتباك في مدريد… وصمت رسمي
في المقابل، تبدو مدريد في موقف حرج، حيث ترفض رفع ميزانيتها الدفاعية بسبب اعتبارات اقتصادية داخلية، وهي نسبة ما تزال تقارب 1.2% فقط، مقابل 5% التي يطالب بها حلف الناتو، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن جدوى الإبقاء على القواعد الأمريكية فوق ترابها.
ولم يصدر عن الحكومة الإسبانية أي رد رسمي على تصريحات ترامب أو تغريدة الجنرال غرينواي، لكن مصادر إعلامية محلية وصفت هذه التحركات بـ”المقلقة”، في ظل هشاشة العلاقات مع الإدارة الأمريكية السابقة ووجود احتمال عودة ترامب إلى السلطة.
انعكاسات محتملة على التوازن الإقليمي
نقل قواعد عسكرية أمريكية من إسبانيا إلى المغرب، إذا تحقق، لن يكون مجرد خطوة تقنية، بل تحوّل استراتيجي يعيد ترتيب موازين القوة في حوض البحر الأبيض المتوسط والساحل الإفريقي.
كما سيُعزّز من مكانة المغرب كـ”شريك أول” للولايات المتحدة في شمال إفريقيا، على حساب جارته الجزائر التي راهنت على تقوية علاقاتها مع موسكو وبكين.
في الوقت الذي يستمر فيه التوتر داخل الحلف الأطلسي بشأن الإنفاق الدفاعي وتوزيع الأدوار، يبدو أن المغرب يقطف ثمار استراتيجيته الأمنية والدبلوماسية متعددة الأبعاد، جامعًا بين الثقة الغربية، والانفتاح على شركاء جدد، والتحديث المستمر لمؤسساته الدفاعية.
ويبقى السؤال الكبير: هل تُقْدم واشنطن فعلاً على نقل قواعدها إلى الضفة الجنوبية للمتوسط؟ أم أن الدعوات الحالية لا تعدو أن تكون أوراق ضغط تكتيكية في خضم الصراع السياسي الأمريكي الداخلي؟ الجواب ربما لا يتأخر طويلاً، في ظل تسارع التحولات وانكشاف الخلافات داخل منظومة الدفاع الغربي.
تعليقات الزوار