الحسيمة.. مختلون ومشردون يتقاسمون الشارع مع المواطنين في غياب الدولة

هبة زووم – الحسيمة
في مدينة تتغنّى بجمال طبيعتها وتاريخها المقاوم، ينبثق مشهد يومي صادم، بات جزءًا من تفاصيل الحياة العامة في الحسيمة: مختلون عقليًا ومشردون يجوبون الشوارع دون رعاية أو مأوى، ودون أن يحرّك هذا الواقع ساكنًا لدى من يتحملون المسؤولية السياسية والإدارية.
لم يعد الأمر مجرّد حالات معزولة أو ظواهر موسمية، بل أصبح نمطًا مأساويًا راسخًا في يوميات المدينة، يختلط فيه الإنساني بالاجتماعي، وتتشابك فيه الأسئلة حول دور الجهات المختصة مع القلق المتزايد للساكنة التي تشعر اليوم أن الأمن النفسي بات مهددًا، وأن الحسيمة تُترك لتُدبّر هشاشتها بصمت.
يجوبون الأزقة والطرقات، حفاة أحيانًا، بملابس مهترئة، وأجساد أنهكها الإهمال… لا يملكون سوى ظلهم، ولا سند لهم سوى رصيف الشارع. مشردون، ومختلون نفسيًا، وعقليًا، يعيشون في العراء تحت رحمة قسوة الطقس ونظرات العابرين. لا مؤسسة تستقبلهم، لا مركز علاجي يرعاهم، ولا حتى مسؤول محلي يقرّ بوجودهم.
هؤلاء ليسوا مجرد “إزعاج بصري” أو هامش عابر، بل قنابل اجتماعية قابلة للانفجار في أي لحظة، في مدينة تتسم بكثافة سكانية متوسطة، وحركية سياحية موسمية، وغياب شبه تام لبنيات الرعاية النفسية والاجتماعية.
الحديث عن تنمية مدينة الحسيمة، أو تثمين مؤهلاتها الطبيعية والثقافية، لا يمكن أن يتم دون استعادة الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي. صورة المدينة اليوم تتضرر داخليًا وخارجيًا، بسبب هذه المظاهر التي تعكس خللاً بنيويًا في السياسات المحلية والقطاعية.
إن غياب مراكز الإيواء، وانعدام مؤسسات علاجية متخصصة، وفقدان التنسيق بين الفاعلين المحليين، هو عنوان لفشل جماعي في تدبير الهشاشة، واستخفاف واضح بالأبعاد الإنسانية للتنمية.
لا تطالب الساكنة بتحقيق المستحيل، ولا تنتظر معجزات. يكفي أن تتحرك المصالح الاجتماعية والصحية لاحتواء الأزمة، بتوفير مراكز للرعاية، فرق للتدخل الميداني، آليات لتشخيص الحالات ومواكبتها، ويكفي أن تفهم السلطات الترابية أن حفظ كرامة الإنسان هو أول خطوة نحو احترام القانون.
الحسيمة، كما باقي مناطق المغرب غير النافع، تحتاج اليوم إلى دولة تحضر في الميدان، لا في الخطابات، إلى قرارات تنبع من الواقع لا من الجداول المحاسباتية. وإلى سياسات تعترف أن كرامة المشرد والمختل العقلي، جزء لا يتجزأ من كرامة المجتمع كله.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد