السعيدية تختنق بالنفايات: شركة النظافة تلوّث موسم الاصطياف والمدينة تدفع الثمن

هبة زووم – محمد أمين
في عز موسم الصيف، حيث تنتظر مدينة السعيدية تدفق المصطافين وإنعاش شرايينها الاقتصادية، وجدت نفسها غارقة في أزمة بيئية خانقة، بفعل تراكم غير مسبوق للنفايات المنزلية في الأحياء والشوارع، في مشهد بات يختزل الفشل الجماعي في تدبير قطاع النظافة، ويفضح عجز شركة التدبير المفوض عن الحد الأدنى من الأداء.
الروائح الكريهة، انتشار الذباب، وتدهور مشهد المدينة، لم تعد مجرد ملاحظات عابرة من زوار عابرين، بل واقع يومي يعيشه السكان، ويهدد صحتهم وأمنهم البيئي، في ظل صمت مطبق من طرف المسؤولين المحليين.
في السعيدية، المدينة التي طالما حملت لقب “الجوهرة الزرقاء”، لم تعد المرآة تعكس سوى غبار الأمس وروائح القمامة، النكتة في المقاهي الآن ليست عن ارتفاع الأسعار أو صيف الحكومة، بل عن “النظافة”… الكل يضحك، ربما لأن الضحك صار الملاذ الوحيد حين يصبح البكاء بلا جدوى.
والأدهى، أن دفتر التحملات بين الجماعة وشركة النظافة لا يعرف أحد ما فيه، لا المواطنون، ولا الصحافة، ولا حتى المنتخبون أحيانًا. كل ما هو ظاهر للعيان، أن الشركة المفوضة فشلت فشلاً ذريعًا في الوفاء بأبسط التزاماتها، بينما المدينة تغرق تحت أكوام من الإهمال.
أما عن “أسطول” الشركة، فهو أقرب إلى متحف خردة متحرك: شاحنات مهترئة، تصدر أنينًا ميكانيكيًا، تتحرك ببطء يكاد يوازي سرعة التدهور الذي تعيشه المدينة. بعض هذه العربات لو تم عرضها في مزاد علني، لاعتذر حتى أصحاب ورشات التقطيع والتلحيم عن استقبالها.
وما يزيد من قسوة المشهد، أن الشركة لا تكتفي بسوء الأداء، بل تُصرّ على مواصلة مهامها بنفس الآليات المتآكلة والمنطق المتقادم، دون أي إشارة إلى تحسين الخدمات أو تجديد الوسائل أو حتى الاعتذار للساكنة.
المفارقة أن هذه الأزمة تتفجر في قلب موسم الاصطياف، حين تستعد المدينة لاستقبال آلاف الزوار والمصطافين، بدل أن تكون النظافة أولوية استراتيجية وجزءًا من جاذبية المدينة، باتت أداة طرد جماعي للسياح وسببًا لإحراج المجالس المنتخبة والسلطات المحلية.
والنتيجة؟ مشهد بيئي ينفر الزوار، ويُحبط المهنيين في قطاعي الإيواء والمطاعم، ويُظهر السعيدية كمدينة تعجز عن تنظيم نفاياتها قبل أن تحلم بتنظيم صيفها.
الشارع المحلي يطرح اليوم سؤالًا بسيطًا ومعقدًا في آنٍ واحد: من المسؤول؟ هل الجماعة الترابية التي يفترض أنها تراقب وتُلزم؟ أم الشركة المفوضة التي لا ترى في التعاقد سوى مصدر ربح بلا محاسبة؟ أم سلطات الرقابة التي تراقب من بعيد وتنتظر؟
في كل الحالات، الساكنة هي من تدفع الثمن، ليس فقط على مستوى جودة الحياة، بل أيضًا على مستوى الصحة العامة والكرامة الحضرية.
ليست النظافة مطلبًا كمالياً أو رفاهية، بل حق حضري أساسي وسلوك مدني يتطلب بنية وخدمة وخطة، فمدينة السعيدية، التي تحمل من المؤهلات السياحية والطبيعية ما يؤهلها لأن تكون قطبًا متوسطيا حقيقيًا، تُفرّغ اليوم من مضمونها بسبب فشل شركة وفشل إرادة سياسية في التتبع والتقويم.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تتدخل الجهات المعنية قبل أن تتحول السعيدية إلى “مزبلة موسمية”؟ أم أن الروائح ستظل تسبق كل محاولة للتنمية؟؟؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد