قلعة السراغنة.. حين تتحوّل الصفحات الفايسبوكية إلى أبواق تهليل للعامل اليزيدي

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في زمن أصبحت فيه الصحافة سلطة رابعة حقيقية، تُراقب وتُحاسب وتُدافع عن قضايا المواطنين، تعيش قلعة السراغنة وضعًا مقلقًا مع ظاهرة “انتحال صفة الصحفي”، حيث تحوّلت بعض الصفحات الفايسبوكية إلى أدوات تمجيد وتطبيل مجانية أو مدفوعة الثمن، أقرب في سلوكها إلى “نكافة الأعراس”، منها إلى العمل الإعلامي المسؤول.
تتجلى هذه الأزمة في سلوك عدد من مدّعي الانتماء إلى الحقل الصحفي، الذين استبدلوا مهمة نقل الحقائق ومساءلة المسؤولين، بخدمة أجندات ضيقة والتسابق لنيل رضى العامل سمير اليزيدي، عبر مدحه المفرط وتقديمه بصورة المنقذ، رغم أن الواقع التنموي بالإقليم يفضح الكثير من أوجه الخلل والقصور.
قلعة السراغنة، المدينة التي تتوسط جغرافيا المغرب، أضحت نموذجًا صارخًا للمدن التي عانت من سياسات تنموية مرتبكة ووعود متراكمة لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
فبين أحياء مهمشة، وبنيات تحتية مهترئة، وخدمات صحية وتعليمية لا ترقى إلى أبسط المعايير، يتساءل المواطن البسيط: من يدافع عن هذا الواقع البئيس؟ ومن يُسمع صوت الناس في زمن يُستبدل فيه الصحفي الحر بمروّج رقمي مدفوع الأجر؟
المدينة تعيش على وقع تناقضات حادة، حيث تتجاور فيلات أنيقة مع أحياء عشوائية معدمة، وتُجاور أحلام الشباب العاطل آمالًا مهدورة في التنمية والتغيير، وفي خضم كل ذلك، يغيب الصوت الحر، وتحضر “الكاميرات المحمولة” التي لا ترى إلا ما يُطلب منها أن تراه.
الظاهرة الأكثر إزعاجًا، وفق متابعين للشأن المحلي، هي أن بعض من يسمّون أنفسهم “نشطاء إعلاميين” باتوا يشتغلون كأذرع رقمية تروج لإنجازات المسؤول الأول بالإقليم، دون حس نقدي أو تقويم واقعي. بل إن بعضهم لا يتردد في مهاجمة أي صوت معارض، أو وصف كل من يُسائل الوضع التنموي بالخائن أو الحاقد أو الفاشل.
في مشهد عبثي، تُزيّن المناسبات الرسمية بتقارير “فايسبوكية” جاهزة، تحفل بالمديح والمبالغة في رسم صورة مثالية لعامل الإقليم، بينما تغيب أي مقاربة نقدية جادة للأوراش المتعثرة، أو المشاريع المعطلة، أو حتى لأزمات الصحة والتعليم التي تمسّ الحياة اليومية للسكان.
قد لا يكون العامل سمير اليزيدي مسؤولًا بشكل مباشر عن كل اختلالات المدينة، لكنه مسؤول بحكم المنصب عن رسم معالم السياسات المحلية وتنزيل البرامج التنموية.
وعليه، فإن أي محاباة إعلامية مفرطة أو تصفية حسابات إعلامية بالوكالة، لا تخدم سوى استمرار وضعية التهميش والركود التي تعرفها قلعة السراغنة.
إن المسؤولية الحقيقية للصحافة ليست في مسح الغبار عن صورة المسؤولين، بل في كشف الغبار عن الحقيقة، والإنصات لمعاناة الناس، وتسليط الضوء على الخلل بدل التغطية عليه.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: من يحاسب هذه الفوضى الإعلامية؟ ومن يُعيد الاعتبار لمهنة الصحافة كسلطة ضمير ومراقبة؟ وهل من إرادة حقيقية لدى الدولة والمجتمع لوقف مهزلة “النكافات الرقمية” التي تسيء إلى سمعة الإعلام، وتُفرغ العمل الصحفي من محتواه المهني والأخلاقي؟
قلعة السراغنة لا تحتاج فقط إلى مشاريع تنموية، بل إلى إعلام مهني يرافقها بجرأة، يسلّط الضوء على الخلل، ويعكس نبض الشارع بعيدًا عن التهليل والتصفيق والتواطؤ.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد