هبة زووم – متابعات
في زمن تتعالى فيه أصوات القصف وتُخمد فيه أصوات الضمير، أثار حذف الأزهر الشريف لنداء إنساني عاجل استصرخ فيه الضمائر الحية لإنقاذ غزة، جدلاً واسعاً وتساؤلات مقلقة حول مستقبل الاستقلالية الدينية في العالم العربي، ودور المؤسسات الروحية في زمن الانبطاح السياسي.
لم تمضِ سوى دقائق معدودة على نشر بيان الشيخ أحمد الطيب، شيخ الأزهر، حتى أُزيل من جميع المنصات الرسمية.
بيانٌ وصف فيه الكارثة الجارية في غزة بأنها “إبادة ممنهجة”، مستعرضاً مشاهد الموت البطيء، والجوع القاتل، والعطش القاهر، في ظل استمرار الحصار ومنع الإمدادات. وحذر من أن “من يمدّ الكيان الصهيوني بالسلاح، أو يسانده بالكلمة المنافقة، شريك مباشر في الجريمة”.
النداء الذي كان يمكن أن يُشكل منعطفاً روحياً وإنسانياً في معركة غزة، خُنق في مهده، فما السبب؟ ومن ضغط لحذف صوت شيخ أكبر مؤسسة دينية في العالم الإسلامي السنّي؟
صرخة ثم صمت.. من يُسكت الأزهر؟
بحسب مراقبين، فإن حذف البيان في هذه السرعة القياسية يُعدّ تطوراً خطيراً لا يتعلق فقط بمحتوى النداء، بل بما يمثله الأزهر من رمزية روحية لدى أكثر من مليار مسلم.
في حين اعتبر آخرون أن هذا التصرف يكشف بجلاء غياب الاستقلالية، وتحكم السلطة السياسية في مواقف المؤسسة، مهما بلغت أهميتها.
وقد أثار هذا التصرف استنكاراً واسعاً، إذ قال أحد المعلقين: “ليس مجرد حذف منشور، بل طمس لنداء الأمة في لحظة يتصدر فيها الأزهر واجب النصرة”، وكتب آخر: “إذا صمت الأزهر، فمن تبقّى لينطق بالحق؟”.
دعوة العلماء: شيخ الأزهر في مرمى السؤال التاريخي
قبل هذا الحدث بأيام، وجّه عدد من علماء الأمة نداءً لشيخ الأزهر، مطالبين إياه بتحرك صريح وجريء لنصرة غزة، مؤكدين أن مصر، بحكم الجوار والمسؤولية، عليها عبء أخلاقي وسياسي يتجاوز الشجب اللفظي.
وورد في بيان العلماء: “التاريخ قد فتح صفحاته لتُسجل فيها اسمك، يا فضيلة الإمام، إلى جانب العزّ بن عبد السلام، وإلا فأعد للسؤال إجابة، فقد اختصمنا أبو عبيدة جميعاً أمام محكمة العدل الإلهية”.
هذا الضغط الأخلاقي والديني على الإمام الأكبر جاء انطلاقاً من مكانته كـ”أكبر عالم في أكبر صرح إسلامي”، وفق ما قاله الحسن بن علي الكتاني، رئيس رابطة علماء المغرب العربي، مضيفًا أن “التحرك الصادر من الأزهر يُمكنه أن يُغير المعادلة ويكسر الصمت الرسمي”.
رفح.. المعبر المغلق والموقف المغلق
النداء المحذوف أعاد إلى الواجهة ملف معبر رفح، البوابة الوحيدة التي تمسك مصر بمفاتيحها، والتي كانت -ولا تزال- شاهدة على التواطؤ المزدوج: غلق المعبر من الخارج، وفتح نيران الموت من الداخل.
وأشار بيان العلماء إلى مسؤولية مصر، لا باعتبارها مجرد جار، بل كفاعل مباشر في خنق غزة، وذكروا صراحة منع السلطات المصرية، إلى جانب قوات اللواء حفتر، قافلة “الصمود” المحملة بالمساعدات.
هل صمت الأزهر صمتٌ برضا؟
إن أخطر ما في حذف بيان الأزهر أنه يحمل رمزية مقلقة: لم يعد مسموحًا حتى بالقول، ولم تعد المؤسسة التي طالما مثلت “صوت العقل والدين” في الأمة، قادرة على التعبير عن ضميرها بحرية.
وفي نظر المتابعين، فإن حذف البيان ليس مجرد خطأ تقني أو موقف عابر، بل تجلٍّ لأزمة أعمق: حين يصبح الكلام الصادق أكثر خطورة من الصمت المتواطئ.
من يحمي صوت الحق؟
في زمن تشيّأت فيه الكلمات، وتحوّل التضامن إلى “بوستات محسوبة”، فإن حذف نداء الأزهر الشريف هو تعبير فاضح عن مدى التهديد الذي يُشكله الصوت الأخلاقي الحقيقي على أنظمة تدير سياساتها بميزان الخوف لا العدل، وبوصلة الرضا لا المبادئ.
لكن كما قال أحد النشطاء: “بعون الله ستبقى كلمة الحق أرفع من أن تُحذف”، وسيظل الأزهر، رغم القيود، ذاكرة الأمة التي لا تموت، ولو بالصمت الثقيل.
تعليقات الزوار