هبة زووم – إلياس الراشدي
بين جدران الشقق الجديدة بتجزئة سكنية في لهراويين، تنام أحلام مواطنين اختاروا الاستقرار والكرامة، لتصحو يوميًا على كابوس اسمه “محل للمتلاشيات”، تحوّل إلى بؤرة تلوث مزمنة وسط منطقة يفترض أنها مخصصة للسكن الآدمي لا لمخلفات الخردة والأزبال.
فعوض أن يستقبل السكان صباحهم على نظافة الأرصفة وزقزقة العصافير، تستقبلهم عربات “الكارو” المتهالكة وهي تفرغ نفاياتها وبقايا المعادن والحديد المهترئ أمام باب المحل، في مشهد يعكس انهيار أبسط معايير التهيئة العمرانية، ويطرح أسئلة صادمة عن دور السلطة المحلية، وعلى رأسها باشا لهراويين، الذي يبدو أنه في “عطلة مفتوحة”.
المحل، الذي يمارس نشاطًا مصنفًا ضمن أخطر الأنشطة الملوثة والمزعجة للأحياء السكنية، يقبع في قلب حي حديث العهد، وكأن الأمر لا يتعلق بتجزئة حضرية بل بسوق عشوائي نبت من رحم الفوضى، عربات جمع المتلاشيات تصول وتجول، وتُفرغ أطنانًا من الخردة والأزبال دون أي مراعاة للصحة العامة أو البيئة أو حتى السلم المجتمعي.
رائحة كريهة، ضجيج دائم، ومظهر فوضوي تحوّل إلى واقع يومي يعيشه السكان، الذين يجدون أنفسهم رهائن داخل منازلهم. أطفال يُمنعون من اللعب، مرضى تتفاقم معاناتهم، وأسر تفكر في الهروب بعد أن ضاعت قيمة العقار وسَكن المكان الشعور باللاجدوى.
الأسئلة الكبرى لا تتوقف عند حجم الضرر، بل تتجاوز ذلك إلى مسؤولية الجهات الإدارية التي يفترض فيها أن تحمي المجال الحضري من التلوث والانحراف.
من سمح بإقامة محل للمتلاشيات في وسط حي سكني؟ كيف تم التغاضي عن الترخيص لنشاط مُصنف في مرسوم 2.04.564 ضمن الأنشطة التي لا يجوز ممارستها إلا في المناطق الصناعية البعيدة عن السكان؟
وماذا عن مراقبة الباشوية والمقاطعة والإدارة الترابية عمومًا؟ هل وصل العجز حدّ ترك الأحياء السكنية تحت رحمة العربات والحديد الصدئ؟ ولماذا يغيب التدخل رغم الشكاوى والتذمر اليومي للسكان؟
في تصريحات متفرقة، عبّر عدد من السكان عن سخطهم وذهولهم من الوضع، معتبرين أن ما يقع يُعد جريمة في حق الحق في السكن والصحة والبيئة. أحد السكان صرّح: “لا نطالب بالمستحيل، نريد فقط أن نعيش مثل باقي المغاربة.. كيف يُعقل أن يُرمى بالأزبال أمام شقق سكنية جديدة، بينما السلطة تتفرج؟ من العيب والعار أن تتحول لهراويين إلى شبه بادية عشوائية في قلب الدار البيضاء!”./
ما يجري في لهراويين ليس حالة معزولة، بل علامة بارزة على فشل السياسة الحضرية في مواكبة التحولات العمرانية للدار البيضاء الكبرى. حيٌّ كان من المفترض أن يكون نقطة جذب للطبقة المتوسطة، تحول إلى مستنقع بيئي وصحي بفعل غياب الصرامة والرقابة، وتواطؤ أو تقاعس بعض المسؤولين.
إن استمرار هذا المشهد يضرب في العمق كل الخطابات الرسمية حول التنمية الحضرية والمغرب الأخضر وتحسين جودة الحياة. ويعيدنا إلى سؤال مركزي: هل المواطن مجرد رقم في سجلات السكن، أم كائن يستحق الاحترام؟
تعليقات الزوار