أطباء غزة في قلب المجاعة: جوعٌ تحت المشرط وأجسادٌ تنهار في صمت

هبة زووم – متابعات
في قطاعٍ محاصر ومجوّع، حيث بات الخبز والدواء سلعتين نادرتين، يقف الأطباء والممرضون في غزة في مواجهة مزدوجة: إنقاذ الأرواح رغم شبح الجوع الذي يفتك بهم قبل مرضاهم. مأساة طبية وإنسانية تُروى تفاصيلها في كل زاوية من مستشفيات القطاع، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن يُغشى على طبيب أو ممرض بسبب نقص الغذاء.
الدكتور محمد صقر، مدير التمريض في مستشفى ناصر، لم يكن يتوقع أن يفقد وعيه خلال المناوبة بسبب الجوع، لكنه انهار بالفعل أثناء عمله، وتم إنقاذه بمحاليل وريدية وقطرات من عصير قدمها له طبيب أجنبي كان شاهدًا على مشهد لا يحدث إلا في مناطق الكوارث.
“لم أكن مريض سكري، كنت فقط جائعًا”، يقول صقر في حديث لشبكة CNN، مختصرًا بذلك المأساة التي يعيشها الكادر الطبي.
ليست حالة صقر استثناءً. بل بحسب الدكتور فضل نعيم، مدير مستشفى الأهلي العربي، فقد سقط طبيبان مغشيًا عليهما هذا الأسبوع أثناء إجراء عمليات جراحية. الوضع مزرٍ إلى حد أن تناول وجبة واحدة في اليوم بات امتيازًا. “نحن نعمل بأجساد منهكة.. الوضع لا يُطاق”، يضيف نعيم.
في مستشفى ناصر، تبدو غرف الأطفال أكثر إيلامًا من أي وصف. رُضّع هزيلو الجسد، لا يكادون يتحركون، وجوههم تشي بأن الحياة تنزف منهم ببطء. كثير منهم يعاني من انتفاخ المعدة، علامة صريحة على سوء التغذية الحاد، فيما الأمهات يبحثن بلا جدوى عن حليب أو خضراوات أو أي شيء يسد رمق الصغار.
ياسمين أبو سلطان، أمّ لطفلة مصابة بسوء التغذية، عبّرت بحرقة عن عجزها في توفير التغذية الأساسية لابنتها: “لا فواكه، لا خضر، حتى الحليب الصناعي مفقود.. الأمهات أنفسهن لم يعد بمقدورهن الإرضاع بسبب الجوع”.
وفي غرفة مجاورة، تروي نجاح هاشم درباخ أنها فقدت أربعة أطفال بسبب المجاعة، وتخشى أن تلتحق بهم ابنتها الخامسة. كلماتها تختصر فظاعة ما يجري في غزة، حيث يتحول الجوع إلى سلاح فتاك، لا يميّز بين طبيب ومريض، ولا بين رضيع وراشد.
وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإن جميع سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينما يُظهر حوالي 70 ألف طفل علامات سوء التغذية الحاد. ووفق منظمة أطباء بلا حدود، فإن معدل سوء التغذية الحاد للأطفال تحت سن الخامسة قد تضاعف ثلاث مرات خلال أسبوعين فقط.
أمام هذا الواقع، يواصل الاحتلال الإسرائيلي تشديد الحصار ومنع إدخال المساعدات الغذائية والدوائية، في تحدٍّ صارخ للقانون الإنساني الدولي. وتشير وزارة الصحة في غزة إلى أن ما يتم إدخاله من مساعدات “لا يفي بأي شكل باحتياجات السكان”.
رغم كل ذلك، يُصرّ الأطباء والممرضون في غزة على البقاء في مراكزهم، حتى وهم يواجهون خطر الانهيار الجسدي. يعملون دون أجور كافية، بلا طعام، وبأدوية محدودة إن وُجدت، يداوون جراح الناس ويخيطون أجسادهم، بينما أجسادهم هم على شفا الانهيار.
في غزة، لا يموت الناس فقط بالقصف، بل يموتون صمتًا، تحت سطوة الجوع والخذلان، في مستشفيات تحوّلت إلى خطوط مقاومة أولى ضد سياسة الموت البطيء. في غزة، الطبيب والمريض في خندق واحد، يقاتلان معًا للبقاء.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد