الجديدة: البناء العشوائي يهدد حي الملاح ويشوّه ذاكرة المدينة العتيقة

هبة زووم – الجديدة
لم تعد ظاهرة البناء العشوائي في حي الملاح بالجديدة مجرّد خروقات بسيطة، بل تحوّلت إلى سرطان عمراني ينخر جسد المدينة القديمة، مهدّدًا سلامة السكان ومشوّهًا التراث المعماري العتيق الذي يُفترض أن يُصان لا أن يُطمس وسط فوضى الإسمنت.
يعيش الحي اليوم على وقع تجاوزات متكررة، آخرها عملية إضافة طابق جديد في قلب الملاح، في خرق سافر لتصميم التهيئة القطاعي.
هذه التعديلات تتم في غياب شبه تام للرقابة، أو بتواطؤ غير مبرر من بعض الجهات، لتخلق واقعًا عمرانيًا هشًا يحمّل الأساسات القديمة ما لا تحتمل، ويجعل حياة القاطنين في خطر دائم، خصوصًا مع اهتراء العديد من البنيات التي تعود لعقود طويلة.
المشهد داخل الأزقة الضيقة يبعث على القلق: بنايات مرتفعة بشكل فوضوي، واجهات مشوهة، أسلاك كهربائية عشوائية، وأكوام من الردم تحاصر الأزقة.
الأدهى من ذلك أن هذا التدهور المعماري يتزامن مع ضعف الوعي بأهمية حماية الموروث التاريخي، واستفحال سلوكيات سلبية، من رمي النفايات إلى استفحال مظاهر الجريمة والهشاشة الاجتماعية داخل فضاءات كان من المفترض أن تكون محمية ومؤهلة لاستقطاب الزوار والسياح.
خطورة الوضع تكمن في غياب تدخلات صارمة من السلطات الوصية، التي يبدو أن تحركاتها لا ترقى إلى مستوى ما يتطلبه هذا الحي، المهدد بفقدان هويته بالكامل.
استمرار التغاضي عن هذه التجاوزات يعكس خللًا عميقًا في آليات المراقبة، ويطرح سؤالًا حول مدى جدية البرامج الرسمية الرامية إلى تثمين المدن العتيقة والحفاظ على طابعها الأصيل.
إنقاذ حي الملاح لا يقتصر على هدم الطوابق العشوائية أو فرض الغرامات، بل يتطلب رؤية شمولية تبدأ بوقف نزيف المخالفات، مرورًا بإعادة ترميم الأبنية وفق معايير السلامة والجمال، وصولًا إلى تحسيس الساكنة بقيمة المكان التاريخية وضرورة المساهمة في حمايته، كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل ركيزة أساسية لوضع حد لهذا العبث الذي يحوّل المعالم التراثية إلى أطلال.
الجديدة اليوم أمام منعطف حاسم: إما أن تستعيد ذاكرتها العمرانية وتصون ما تبقى من تراثها، أو تترك حي الملاح ينهار تحت وطأة الإهمال والجشع العمراني، ليُطوى فصل آخر من تاريخ المدينة بلا رجعة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد