هبة زووم – ياسير الغرابي
يعيش قطاع الإرشاد السياحي في المغرب على وقع أزمة مركبة، لم تعد مجرد اختلال إداري عابر، بل تحولت إلى حالة احتقان حقيقية تعمّ صفوف المئات من المرشدين السياحيين ذوي الكفاءات الميدانية، الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة الاهتمام الرسمي، رغم أن ملفهم يحمل طابعًا استعجاليًا، ورغم وجود تعليمات ملكية واضحة تدعو إلى الإنصاف وتنظيم المهنة وفق مقاربة عادلة وواقعية.
منذ اجتياز الاختبارات الرسمية في ماي 2023، التي خاضها المرشدون ذوو التجربة الطويلة لنيل بطاقة “مرشد سياحي”، بقيت النتائج حبيسة الأدراج، وتحوّل الملف برمّته إلى لغز إداري لا يجد تفسيرًا منطقيًا لدى المهنيين أو لدى المراقبين.
بل إن المؤشرات كلها توحي بأن الوزارة الوصية، بدل الانخراط في الحل، تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا للتوجيهات الملكية، ما جعل فئة واسعة من الكفاءات الوطنية تشعر بأن مستقبلها المهني يُدفع نحو المجهول.
في هذا السياق، تتعرض الكفاءات السياحية المنظمة تحت لواء الجمعية النموذجية للسياحة والتنمية، إلى ما تعتبره “إقصاءً ممنهجًا” من حقها المشروع في ممارسة المهنة قانونيًا.
هؤلاء ليسوا مبتدئين ولا هواة، بل أصحاب خبرة تراكمت عبر عقود من الاحتكاك المباشر بملايين السياح، يمثلون قيمة مضافة لأي استراتيجية وطنية تسعى لتقوية أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني الذي يوليه الملك محمد السادس أهمية خاصة.
ورغم مراسلة جميع المتدخلين المؤسساتيين، من وزارة السياحة إلى مؤسسة وسيط المملكة، ورغم سلسلة من سبع وقفات احتجاجية بالرباط، آخرها في 25 شتنبر 2025، ظل الملف واقفًا في مكانه، وكأن هناك إرادة خفية لإبقاء الوضع معلقًا.
رئيس الجمعية، السيد أبو وفاء عبد العزيز، أكد أن جهات غير معنية أُقحمت في الملف، فزادته تعقيدًا بدل تسهيله، كما شدد على أن الحل الحقيقي يوجد لدى الكاتب العام لوزارة السياحة، الذي – حسب تعبيره – “لا يبدو أنه يملك أي نية سياسية أو إدارية لحل هذا الملف، رغم وجود تعليمات ملكية صريحة”.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف يمكن لقطاع بمكانة السياحة، ولملف يحمل حساسية اجتماعية واقتصادية كبيرة، أن يبقى رهينة البيروقراطية، في حين أن أعلى سلطة في البلاد أكدت مرارًا ضرورة دعم الكفاءات وتسهيل الإدماج المهني؟
الأخطر من ذلك أن هذا التعطيل يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الملكي الذي يحث على الفعالية والإنصاف، وبين الممارسة الحكومية التي تُدير ظهرها لملف يمسُّ رعايا جلالة الملك مباشرة، ويؤثر على صورة القطاع دوليًا.
الجمعية النموذجية للسياحة والتنمية بجهة آسفي-مراكش تستعد اليوم لجولة جديدة من الاحتجاجات بالعاصمة، في خطوة تعكس حجم الإحباط وعمق الشرخ المتزايد بين الوزارة وهذه الفئة المهنية.
فهل ستتجاوب الوزيرة؟ أم أن الملف سيظل مثالًا آخر على الفجوات المتكررة بين ما يُعلن في الخطابات الرسمية وما يُنفذ على الأرض؟
الزمن وحده كفيل بالإجابة. لكن المؤكد أن شرخ الثقة يتسع، وأن قطاعًا استراتيجيا مثل السياحة لا يتحمل المزيد من الارتباك الإداري، خصوصًا حين يتعلق الأمر بكفاءات ميدانية أثبتت قيمتها وشكلت لسنوات بوابة المغرب أمام العالم.
تعليقات الزوار