المنصوري تُشيّد الإسمنت وتهدم المعنى وتصنع أزمة السكن الاقتصادي في المغرب

هبة زووم – علال الصحراوي
في بلد يفتخر بمشاريعه الكبرى، ويُفاخر بطرقه السيارة وموانئه العملاقة ومطاراته المتطورة، يظل الفشل المزمن في ملف السكن الاقتصادي وصمة عارٍ عمرها عقود.
هنا، حيث يُفترض أن يجد المواطن سقفًا يأويه بكرامة، تحوّل “السكن الاقتصادي” إلى مشروع لا يحقق سوى الحد الأدنى من البناء والحد الأقصى من المعاناة.
من المفارقات أن الدولة التي تُبدع في بناء الجسور والأنفاق، وتعتمد على أحدث التقنيات في تشييد المدن الجديدة، تعجز عن تصميم مسكن يمنح ساكنيه خصوصيتهم وراحة بسيطة تليق بإنسان القرن الواحد والعشرين.
كيف لمهندسي الإسكان أن يفشلوا في إدراك أن المسكن ليس مجرد جدران، بل منظومة منسجمة تحترم الحميمية وتضمن التوازن الاجتماعي والنفسي للأسرة؟
اليوم، صار من المألوف أن نسمع قصصًا عن أزواج يهربون من “سكنهم الاقتصادي” نحو الفنادق والمقاهي للبحث عن مساحة من الخصوصية المفقودة.
تحوّل البيت إلى ما يشبه صندوقًا إسمنتيًا ضيقًا، يختبر حدود الصبر الإنساني، ويجعل الحياة المشتركة تجربة شبه مستحيلة في بعض الأحيان.
الخطير في الأمر أن الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري، المسؤولة عن قطاع إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، تبدو وكأنها تواصل سياسات فاشلة لا تراجع عنها، رغم الشكاوى المتزايدة من المواطنين والمجتمع المدني والمهنيين على حد سواء.
فالخطط الحضرية التي تُعرض على الشاشات وفي الوثائق الرسمية قد تبدو أنيقة، لكنها تفتقد للبعد الإنساني الذي يجعل المسكن فضاءً للحياة، لا مجرد رقم في دفاتر المنعشين العقاريين.
ما لا تدركه الوزارة – أو تتغافل عنه – هو أن الضغط المتزايد لتقليص المساحات ورفع الكثافة السكنية لا ينتج سوى جزرٍ إسمنتية مكتظة تُغيب مفهوم الحيّ السكني الحقيقي، وتقتل روح الجوار والسكينة، فكل مترٍ يُقتطع من المساحة هو في الحقيقة اقتطاعٌ من راحة الأسرة، ومن قدرتها على بناء حياة طبيعية.
في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعار “السكن اللائق للجميع”، يعيش آلاف المغاربة في مساكن اقتصادية لا لياقة فيها ولا راحة، يتقاسمون الجدران والهموم في الوقت نفسه.
بل إن بعض الخبراء باتوا يتحدثون صراحة عن “فشل النموذج الاقتصادي للسكن”، الذي أفرز منتوجًا عمرانيا دون جودة ولا روح، وأسهم في تدهور النسيج الاجتماعي.
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل يمكن لوزارة المنصوري أن تُعيد الاعتبار إلى فكرة “السكن كحق في الكرامة والخصوصية”، لا مجرد صفقة مالية أو معادلة هندسية جافة؟
أم أننا سنواصل السخرية من مشروع “السكن الاقتصادي” الذي صار، بمرور الوقت، عنوانًا لأزمة وطنية في فهم معنى الحياة داخل الجدران؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد