هبة زووم – محمد خطاري
في قلب الرشيدية، تتكشف اليوم معالم سوق سياسي غريب، حيث الكراسي لا تُشغل بوظيفة المسؤولية، بل تتحول إلى سلعة تباع وتشترى، في مشهد يذكّر بسوق البهائم أكثر من كونه مؤسسة للسياسة والخدمة العمومية.
ما يحدث في المدينة ليس مجرد خلافات سياسية، بل تجلي صريح لما أسماه البعض بـ”التْفَرْقيش” السياسي، حيث تُعرض البضائع، يُنادى عليها بصوت يختلط بين الجد ومستملحاته الساخرة، يُساوم المشترون، ثم تُحسم الصفقة على مائدة عامرة بكل ما لذَّ وطاب.
في زمنٍ صارت فيه السياسة أشبه بسوق البهائم، لا شيء مستغرب بالنسبة لـ”شَنَاقْ” يعشق “الخِرْفَانْ” بتعبيرها ودلالتها الشبابية، واعتاد على “التْفَرْقِيشْ” سرا، وارتداء زي كساب وبائع المواشي علنا.
يحدث أن يُباع السردين بخمسة دراهم، كما يحدث أن تُباع بقرة بثمن بخس نتيجة كونها من غنائم “التْفَرْقيشْ”، لكن أن يُباع مقعد برلماني؟ هنا تتحول السياسة إلى مزرعة كبيرة داخل سوق “اللعبة”، حيث لا فرق بين النائب و”العجل”، كلاهما يُوزن بالكيلوغرام.
هنا في مسرح العبث الكبير، حيث الكراسي ليست مجرد أثاث، بل أصنام يُعبدُ لها، تعيد القوى التقليدية مسرحيتها البالية، بوجوهٍ مترهلة وبقايا بريقٍ كاذب، تقف هذه القوى كالعناكب فوق نسيج متآكل، تسعى بكل قواها لإدامة سيطرتها على مساحاتٍ لم تعد ملكًا لها، وحبس كل فكرة جديدة في زنازين النسيان.
هؤلاء الذين احتكروا الكراسي بالرشيدية لسنوات طويلة وعمروا فوقها لعقود، لم يتقنوا شيئًا سوى حياكة المؤامرات وإقامة الحواجز في وجه الشباب، يُحاربون كل مشروع ينبض بالحياة، كما يُحارب النهر السدود التي تُقام لوقف جريانه، فالكرسي بالنسبة لهم ليس مكانًا للمسؤولية، بل قيدًا يُثبتهم في وجه التغيير، لعنةً يُعاقب بها الوطن في كل يومٍ يمضي بلا تجديد.
إن ما يحز في نفسي، هو ذلك التساؤل المشروع: لماذا لا يتردد المسؤولون في المجتمعات المتقدمة عن الاستقالة أو التضحية بمقاعدهم بينما يتمسك المسؤولون عندنا بها ولا يفرطون فيها مهما كانت الأسباب؟
الجواب ببساطة يا سادة، كون المسؤول عندنا، إذا تخلى عن كرسيه أو تخلى الكرسي عنه فقد كل شيء، فقد السلطة وفقد النفوذ والجاه، وربما فقد مصدر قوته اليومي…
الشباب، كما يظهر من التجربة المحلية، لم يعد خصماً صامتاً. إنهم يشقون طريقهم بخطوات حذرة، يحللون مناخ السلطة، يراقبون نقاط ضعف المنظومة القديمة، ويستعدون للظهور كقوة حقيقية قادرة على تجديد المشهد المحلي.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى التغيير لا يزال محفوفاً بالمطبات، خاصة في ظل محاولة الحرس القديم خنق أي مشروع جديد، كما لو أن كل فكرة حية تشكل تهديداً لمصالحهم الراسخة.
الخطير في المشهد هو أن السياسة أصبحت مسرحاً للأنانية، حيث كل منصب يتحول إلى غنيمة شخصية، وكل رفض للتغيير يُقابل بمحاولات احتواء أو إحباط.
فالحفاظ على الكرسي لم يعد مجرد طموح وظيفي، بل استحواذ على القوة والنفوذ والجاه، حتى ولو كان ذلك على حساب التنمية الحقيقية والطاقات الشابة.
في هذا السياق، يبدو أن زمن السطوة التقليدية قد ولى، وأن الرياح الجديدة التي تجلبها الطاقات الشبابية ستعيد ترتيب الأولويات، فالكراسي البالية التي طالما استُخدمت كأدوات للسيطرة على المجتمع، ستواجه قريباً معركة حقيقية مع الجيل الجديد، الذي يحمل مشروعاً مختلفاً يرتكز على التجديد، والابتكار، والمصلحة العامة.
وفي نهاية المطاف، الرشيدية اليوم أمام مفترق طرق: إما استمرار استنزاف الطاقات في سوق المصالح الشخصية، أو فتح صفحة جديدة تتيح للشباب أن يزرعوا بذور التغيير وسط الخراب الذي خلفه الحرس القديم، ليخرج الوطن بمؤسساته المحلية أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع.
تعليقات الزوار