برشيد.. حين تختنق التنمية داخل “الحريرة العائلية”

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في برشيد، لا شيء يتغير سوى الأسماء على اليافطات. أما السلطة، فتبقى كما هي: عائلية الهوى، توريثية الممارسة، مغلّفة بخطاب التنمية والتحديث.
من يعتقد أن المدينة قد تنفست الصعداء بعد توقيف الرئيس السابق للمجلس الجماعي، عبد الرحيم القادري، ونائبه كاميلي، فهو لا يرى سوى القشرة من المشهد. لأن أصل العطب، كما يؤكد أبناء المدينة، ليس في الأشخاص بل في العائلات الأربع التي تتقاسم النفوذ والقرار كما تُقسم الغنائم في مملكة صغيرة مغلقة على نفسها.
فبعد الإعفاءات الأخيرة التي مست رأس المجلس، لم تنجح المدينة في كسر الحلقة المفرغة. بل برزت مجددًا إحدى تلك العائلات المتجذرة في مفاصل القرار، وهي عائلة بادل، التي تجمع بين السيطرة على المجلس الإقليمي من جهة، وحضورها القوي في مجلس الجهة من جهة أخرى.
ما يعني أن اللعبة السياسية في برشيد لا تعرف فراغًا، بل تتعامل مع المناصب كإرثٍ عائلي ينتقل بين الإخوة والأبناء، وليس كتكليفٍ انتخابي لخدمة الصالح العام.
وسط هذا المشهد الملبّد بالولاءات والمصالح، يجد سكان برشيد أنفسهم غرباء في مدينتهم. فلا مشاريع تنموية كبرى توازي موقع المدينة الجغرافي الحيوي، ولا حكامة ترابية حقيقية تترجم تطلعات الساكنة، ولا صوت يُسمع خارج جوقة “الأقارب والأصهار”.
هنا، تتحول التنمية إلى شعار انتخابي مكرر، والمجالس المنتخبة إلى مسرحٍ لإعادة توزيع المناصب بين نفس الوجوه.
ولهذا، يقول النص بصراحة ووجع: “برشيد لا تنتظر معروفًا لا من أعيانها ولا من منتخبيها ولا من إعلامييها ولا من جمعياتها… بل تنتظر عطفًا مولويا ساميًا من جلالة الملك لإنقاذها من جشع الطامعين وخيانة المنتخبين”.
حين يتحدث أبناء برشيد عن “الحريرة”، فهم لا يقصدون طبق رمضان الشهير، بل خلطة سياسية عجيبة تجمع المال والنفوذ والقرابة والمصالح المتشابكة.
هي “حريرة” يتذوقها كل من يقترب من دوائر القرار المحلي، حيث تتداخل أسماء المقاولين مع المنتخبين، واللوبيات العقارية مع الإدارات، في مشهد لا ينقصه سوى “البهارات الانتخابية” لإكمال الوصفة.
لقد أصبحت “حريرة برشيد” رمزًا للعبث السياسي المحلي، حيث لا يُعرف من يسيّر ومن يُسيَّر، ومن يخدم المصلحة العامة ومن يخدم جيبه فقط.
اليوم، يُطرح السؤال المؤلم: إلى متى ستظل تنمية برشيد رهينة في يد العائلات الأربع؟ وإلى متى سيبقى الحكم المحلي محكومًا بالعلاقات العائلية لا بالكفاءة؟
برشيد، التي كان يمكن أن تكون نموذجًا في التنمية الجهوية بفضل موقعها الصناعي والفلاحي القوي، تحولت إلى حقل تجارب للصفقات المشبوهة والتعيينات المصلحية.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد المواطن ينتظر الوعود، بل ينتظر زلزالًا إداريًا حقيقيًا يحرر المدينة من “الحكم الوراثي” الذي كبّلها لعقود.
برشيد لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات ولا إلى “إعادة تدوير” نفس الوجوه، تحتاج إلى نخبة جديدة تفكر بعقل الدولة لا بعقل القبيلة، وتتعامل مع السياسة كخدمة عمومية لا كصفقة عائلية.. فهل يتحقق ذلك في انتخابات 2026؟ أم سنظل ندور في نفس “الحريرة” التي لم تعد تُؤكل، لا بالملح ولا بالسكّر؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد