الدار البيضاء: وقود يُهدر، سيارات تُوزع وصفقات غامضة تهدد هيبة المؤسسات بجماعة الهراويين
هبة زووم – الدار البيضاء
تعيش جماعة الهراويين، في الأشهر الأخيرة، على وقع سلسلة من الفضائح التي كشفت حجم الاختلالات البنيوية التي تنخر المجلس الجماعي، وأظهرت كيف تحوّل التدبير العمومي إلى مساحة مفتوحة للامتيازات الشخصية وتضارب المصالح، في ظل غياب شبه تام للرقابة ولروح المسؤولية التي يُفترض أن يتحلى بها المنتخبون.
هذه الأحداث، التي تتراكم وتتكشف الواحدة تلو الأخرى، لم تعد مجرد أخطاء في التسيير، بل مؤشر على منظومة فساد متكاملة يتداخل فيها المال والسياسة والولاءات الشخصية، على حساب المال العام وحقوق المواطنين.
بداية الانفجار كانت مع صفقة اقتناء الهواتف الذكية الفاخرة، التي تجاوزت قيمتها 20 مليون سنتيم، في غياب أي مبرر رسمي أو توضيح من رئيس الجماعة، فلا أحد يعرف من استفاد؟ ولماذا؟ وما المعايير التي حكمت هذه الصفقة؟
صمت الرئيس، وغياب أي وثائق أو تصريحات، جعل الشارع المحلي يرجّح فرضيات حماية نافذين، أو إعادة بيع هذه الهواتف، أو وجود ترتيبات سرية تتجاوز ما يظهر للعموم.
لكن الفضيحة الأكبر تكمن في الميزانية الضخمة للبنزين المخصّصة لأسطول لا يتجاوز 30 عربة وشاحنة، في حين تصل النفقات إلى ما بين 250 و300 مليون سنتيم سنوياً — أرقام تقفز فوق المنطق والعقل.
ومما زاد الغضب الشعبي، ظهور أشرطة تؤكد أن سيارات خاصة بأشخاص لا تربطهم أي علاقة بالجماعة تُزوَّد بالبنزين بعد مكالمة واحدة مع الرئيس، في مشهد فاضح لاستعمال المال العام كمكافأة للموالين وخدمة للمقربين.. إنها ممارسة تختزل مفهوم استغلال النفوذ وتعدّ واحدة من أخطر صور تبديد المال الجماعي.
هذا، وتتواصل التجاوزات مع مستشار جماعي يُعرف بـ“ع.إ”، والذي حوّل سيارة مصلحة مخصّصة أصلاً لموظف إلى وسيلة تنقل شخصية، يستعملها ليلاً ونهاراً، متبختراً في المقاهي والأسواق، كما لو كانت ملكاً خاصاً، والأغرب أن هذا الشخص ليس نائباً للرئيس ولا يحمل أي تفويض يبرر هذا الامتياز.
هذا الوضع يطرح سؤالاً حارقاً: كيف تمر هذه الخروقات تحت أعين السلطات؟ وكيف يتجرأ منتخب على استعمال ممتلكات عامة خارج القانون دون خوف من المحاسبة؟
القصة لا تقف هنا، النائب الثاني للرئيس، الذي سُحبت منه تفويضات سابقة بسبب قضية ابتزاز، ما يزال يمارس نفوذاً واسعاً داخل الجماعة بطرق ملتوية، بشهادة زملائه.
إحدى المستشارات المقربات منه تستغل سيارة هذا النائب في حملات انتخابية قبل أوانها، بينما تعمل داخل الجماعة وتتقاضى أجراً وتستفيد من البنزين المجاني، في مشهد يجسد تضارب المصالح بأوضح صوره.
أما الشخصية الأكثر إثارة للجدل فهي المسمى “م.م”، الذي سُجن سابقاً بسبب البناء العشوائي، لكنه اليوم يقدم نفسه باعتباره “يشتغل مع السلطات”، ويستفيد من الريع كعون عرضي شبح، ويقود سيارة الرئيس، بل ويجلس في مكتبه ومكتب الكاتبة، ويحضر أنشطة داخل عمالة مديونة بلا صفة قانونية واضحة.
فبأي صفة يحضر؟ هل بصفته السابقة كعون سلطة؟ أم كعون عرضي شبح؟ أم باعتباره مفوَّضاً من الرئيس؟ أم كما يدّعي: “مراقباً للمناضلين والجمعويين”؟ فسلوك كهذا يسيء للدولة ويضرب هيبة المؤسسة الترابية في العمق.
ملف آخر ينخر الجماعة: توظيف أبناء وأقارب بعض النواب والمستشارين عبر مساطر ملتوية، حيث تحول إلى ريع عائلي واضح يستهلك موارد الجماعة في وقت تعاني فيه الساكنة من خصاص في الخدمات الأساسية.
ورغم حجم الفساد، يكشف الواقع أن باشا باشوية الهراويين والقياد هم صمام الأمان الحقيقي داخل المنطقة، يشتغلون بصمت، يفرضون احترام القانون، ويتصدون للفوضى، في وقت يغيب فيه الانضباط عن جزء من المنتخبين الذين يفترض أن يكونوا شركاء في التنمية لا جزءاً من المشكلة.
اليوم، ينتظر المواطنون تدخلاً واضحاً وحازماً من عامل إقليم مديونة، ومن رئيس قسم الشؤون الداخلية، ومن باشا باشوية الهراويين، لفتح تحقيق شامل ومباشر في كل الملفات التي أصبحت حديث الشارع.
فالقضية لم تعد تتعلق بمخالفات محدودة، بل بمنظومة فساد متشعبة تهدد هيبة الدولة ومصداقية المؤسسات، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سيُفرض القانون؟ أم سنقول “سلام على مؤسساتنا” ونترك الفساد يزداد تغولاً؟
ما زال الكثير مخفياً، والكثير يحتاج إلى كشف للرأي العام، وسيأتي لاحقاً مقال تفصيلي يكشف أسماء المستفيدين من التوظيفات العائلية، ويشرح الأدوار القانونية للسلطات عند رصد مثل هذه التجاوزات.
أما اليوم، فالمعركة من أجل الشفافية ليست معركة أشخاص، بل معركة وطنية لحماية المال العام وصون كرامة المواطن.