حسن غربي – الرباط
تعاني وكالة التنمية الاجتماعية بالمغرب من أزمة عميقة تتجاوز حدود الميزانيات والسيارات المخصصة للعمل الإداري، لتصل إلى قلب القيادة والحوكمة داخل المؤسسة.
فغياب رؤية وزارية واضحة واستراتيجية إصلاحية حقيقية وضع الوكالة على مفترق طرق، حيث تراكمت سنوات من سوء التدبير، وانتشرت ثقافة المحاباة واستغلال الموارد العامة، حتى أصبح الفشل الإداري جزءًا من المنظومة المؤسسية نفسها.
وأمام ما يحدث، تعالت في الأوساط المدنية والسياسية بالمغرب مطالب إعادة النظر في تدبير وكالة التنمية الاجتماعية، التي يبدو أنها تعاني منذ سنوات من أزمة عميقة تتجاوز الجانب المالي لتصل إلى ثقافة الإدارة وسلوك المسؤولين.
فبينما تحاول الوزارة الوصية التركيز على مسائل سطحية مثل ميزانية الاستثمار المجمدة وشراء سيارات الخدمة، فإن المشكلات البنيوية والتدبيرية والأخلاقية تبقى عالقة، مهددة بفعالية المشاريع الاجتماعية ومصداقية المؤسسة أمام المواطنين.
فالوكالة، منذ نشأتها، كانت محط فضائح مالية وإدارية متعددة الأبعاد، حيث أظهرت تقارير المفتشيات ونتائج الافتحاصات تراكم الخروقات، ما دفع وزارة الاقتصاد والمالية إلى تجميد ميزانية الاستثمار منذ خمس سنوات.
ولم تقتصر الأزمة على الهدر المالي، بل امتدت إلى احتكار السلطة، تغييب الكفاءات، وإضعاف الرقابة، إذ أصبح عدد من المسؤولين يشعر بأنه فوق المحاسبة طالما بقيت الوضعية الداخلية تحت سيطرته.
ويشير متابعون إلى أن اختيار المسؤولين في الوكالة ظل مبنياً على الولاء النقابي والانتماء الشخصي، مع تجاهل المعايير المهنية والجدوى الكفائية، ما أدى إلى تمديدهم في مناصبهم سنوات طويلة، سواء على المستوى المركزي أو الترابي، وحتى مع تغييرات التقسيم الإداري. النتيجة كانت إحباط الكفاءات وتراجع فعالية البرامج والمشاريع، وتعميق الهوة بين الموظفين والمواطنين المستفيدين من خدمات الوكالة.
ومن الأمثلة العملية، حالة ملحقة وكالة التنمية الاجتماعية بإقليم الحسيمة، حيث تشير التقارير الرسمية إلى فشل أكثر من 90٪ من برامج ومشاريع الوكالة منذ عام 2011، ما خلف أثراً اجتماعياً سلبياً على التنمية المحلية، خاصة على النساء والأطفال والشباب الفقراء.
أما سيارات الخدمة المخصصة للوكالة، فقد استغلت بشكل شخصي من قبل بعض المسؤولين، في تجاوز صارخ للمراسيم والتوجيهات الحكومية، ما يعكس ثقافة استهتار بالمال العام واستغلال للوسائل الرسمية لأغراض شخصية.
التحليل يظهر أن الأزمة لا تُحل بمجرد تخصيص الميزانيات أو اقتناء سيارات، بل تحتاج الوكالة إلى إصلاح إداري وترابي جذري، وتعزيز حكامة المؤسسة، وتفعيل الرقابة والمحاسبة.
التركيز اليوم على الموارد المادية دون معالجة العمق البنيوي للأزمة يخلق شعوراً ضمنياً بأن استغلال الموارد العامة أمر مقبول طالما هناك ميزانيات وسيارات.
ويشير الفاعلون المدنيون والسياسيون إلى أن غياب إرادة جادة لدى الوزيرة الوصية في تطبيق حوكمة فعالة وإرساء مقاربة تدبير قائمة على النتائج، يحول دون تحقيق النجاعة المنشودة، ويجعل المخططات والمشاريع التنموية مجرد شعارات دون أثر حقيقي على المواطنين.
والمطلوب اليوم هو اعتماد مقاربة شاملة لإصلاح الأداء، تحديد المسؤوليات، ومحاسبة المتجاوزين، مع تعزيز الشفافية وتمكين آليات الرقابة من ضبط الأداء وإعادة الثقة للمؤسسة وللجمهور المستفيد.
تعليقات الزوار