هبة زووم – إلياس الراشدي
لم يعد ما يجري في مدينة طنجة قابلًا للاختزال في منطق “التجاوزات الفردية” أو “الأخطاء المعزولة”، فالتراكم المقلق للوقائع، وتكرار نفس الأنماط، وطبيعة الشبكات المتحكمة في القرار المحلي، كلها مؤشرات تؤكد أن الفساد لم يعد سلوكًا هامشيًا داخل بعض مفاصل الإدارة، بل تحول إلى منظومة اشتغال قائمة بذاتها، تتغذى من تضارب المصالح، وتحتمي بالصمت، وتعيد إنتاج نفسها داخل دوائر النفوذ.
في طنجة اليوم، لم تعد الكفاءة معيارًا حاسمًا لتقلد المسؤوليات بالمدينة، بقدر ما تحولت بعض المناصب إلى مكافآت ولاء، تُمنح داخل شبكات مغلقة، حيث تتداخل السياسة بالإدارة، ويتحول النفوذ إلى رأسمال غير معلن، يُستثمر في التحكم في العقار، والصفقات العمومية، بل وحتى في إعادة ترتيب المشهد الانتخابي.
الأخطر في هذا المشهد أن بعض مراكز القرار بالمدينة لم تعد تُدار بمنطق الدولة والمؤسسات، بل بمنطق الإقطاع الإداري، حيث يختفي الحد الفاصل بين السلطة القانونية والسلطة الواقعية، وفي هذا السياق، يبرز دور الوسطاء والسماسرة الذين لا يظهرون في الواجهة، لكنهم يتحكمون فعليًا في مفاتيح التعيين والترقية والتأثير.
هؤلاء يفتحون الأبواب لمن “ينتمي إلى الشبكة”، ويغلقونها في وجه من يملكون الكفاءة والاستقلالية، وهكذا تتحول الإدارة من أداة لخدمة الصالح العام، إلى أداة لتوزيع الامتيازات، وحماية المصالح الخاصة، وضمان استمرار نفس مراكز النفوذ.
إذا كانت الرشوة واستغلال النفوذ تمثلان الشكل الكلاسيكي للفساد، فإن ما تعيشه طنجة اليوم يعكس انتقالًا مقلقًا إلى مرحلة أكثر خطورة: الاتجار في المناصب والمسؤوليات.
هنا لا يُشترى القرار فقط، بل يُشترى الموقع نفسه، وتُفصَّل المسؤوليات على مقاس من يضمن الولاء، لا من يملك الرؤية أو القدرة على التدبير.
وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لمبدأ تكافؤ الفرص، وضربة في العمق لفكرة الدولة الحديثة، التي تقوم على قواعد واضحة، ومؤسسات محايدة، وإدارة خاضعة للمساءلة.
غالبًا ما يُسوَّق الصمت عن هذه الممارسات باسم “الاستقرار”. غير أن التجارب تؤكد أن الاستقرار الذي يُبنى على غض الطرف عن الفساد هو استقرار هش، ومؤجل الانفجار.
فالدول لا تنهار فقط بفعل الأزمات الاقتصادية أو الاحتجاجات الاجتماعية، بل تنهار حين تفقد الإدارة مصداقيتها، وحين يشعر المواطن أن القانون لا يُطبق إلا على الضعفاء، وأن الفساد محميّ ما دام في المستويات العليا.
وحين تتحول المحاسبة إلى ممارسة انتقائية، يُضحّى فيها بصغار الموظفين، بينما ينجو صناع القرار الحقيقيون، فإن الرسالة الموجهة للمجتمع تكون واضحة: الإفلات من العقاب ليس ممكنًا فقط، بل مضمون لمن يمتلك النفوذ.
السؤال الجوهري المطروح اليوم هو: هل نحن أمام إرادة حقيقية لفتح صفحة جديدة قوامها المحاسبة الفعلية وربط المسؤولية بالمساءلة؟ أم أننا سنكتفي، مرة أخرى، بإعادة إخراج نفس المسرحية، بنفس الوجوه، مع تغيير الخطاب فقط؟
ساكنة طنجة، ومعها الرأي العام الوطني، لا تطالب بتقويض المؤسسات، بل بتخليصها من منطق الشبكات، فلا أحد ضد الدولة، لكن الجميع ضد مدينة تُدار بمنطق الغنيمة، وضد إدارة تُمنح فيها المناصب بناءً على حجم الولاء والمصالح المتبادلة، لا على أساس الكفاءة والنزاهة.
المدينة الذي يتطلع إليه المواطنون بطنجة ليست مدينة تُباع فيه المسؤوليات في سوق النفوذ، بل مدينة تُمنح فيه المناصب لمن يستحقها، وتُربط فيه السلطة بالمحاسبة، ويُصبح فيه الولاء الحقيقي للقانون والمؤسسات، لا للأشخاص والشبكات الخفية.
فهل تكون طنجة منطلقًا لمرحلة جديدة تُكسر فيها هذه الحلقة المغلقة؟ أم سيستمر منطق تدوير الفساد داخل نفس الدوائر؟ الجواب اليوم بيد ل الوالي التازي لكن المؤكد أن التاريخ لا ينسى، وأن المجتمعات قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى من خذلها.
تعليقات الزوار