حين تتهاوى الحكامة ويبرز “المخطط الفراقشي”.. بلاغ ناري من داخل المكتبة الوطنية يقرع ناقوس الخطر

هبة زووم – الرباط
بعد سنتين على ما بات يُعرف داخل أوساط المهنيين بـ”المخطط الفراقشي”، وفي سياق يطبعه اقتراب دورة بيضاء جديدة لما تبقى من مجلس إدارة المكتبة الوطنية، عادت اللجنة التحضيرية لفرع المكتبة الوطنية للجمعية المغربية لتدبير المعلومات والبيانات لتفتح واحدًا من أكثر الملفات حساسية داخل المؤسسة: ملف الحكامة، والتمثيلية المهنية، وأمن المنظومة المعلوماتية الوطنية.
بلاغ اللجنة لم يكن مجرد موقف نقابي عابر، بل جاء بمثابة لائحة اتهام مؤسساتية تُحمّل الإدارة مسؤولية التلكؤ في تنزيل استحقاقات إصلاحية مركزية ظلت مطلبًا ثابتًا لمهنيي المؤسسة منذ سنة 2017، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
تفكيك فرع مهني.. ووقائع “نسف من الداخل”
أول ما يلفت في البلاغ هو استحضاره لخلفية ما وصفه بـعملية النسف المتعمد لفرع الجمعية الأم سنة 2018، وهي واقعة تعود، حسب اللجنة، إلى رفض منسق الفرع آنذاك تمكين “إعلامي غير منخرط” من تمثيل الزميلات في لقاء رسمي.
موقف مهني سليم، تقول اللجنة، لم يرق لأطراف لجأت إلى التشهير والضغط الإعلامي، في عملية انتهت بتفجير الفرع وإلحاق ضرر بالغ بالمصالح المهنية، وهو ما سبق أن وثقه بلاغ المكتب الوطني للجمعية في يناير 2018.
إعادة فتح هذا الملف اليوم ليست نبشًا في الماضي، بل محاولة لربط الاختلالات الحالية بجذورها الأولى، حيث لم تكن القرارات معزولة عن منطق الانتقام وإعادة ترتيب التوازنات خارج منطق الكفاءة والشرعية.
“سياحة إدارية” بدل تكوين مهني.. وتبديد لفرص التطوير
ينتقل البلاغ إلى نقد ما سماه برامج السياحة الدولية التي يستفيد منها، بحسبه، أشخاص غير متخصصين، على حساب مهنيي الإعلام والتوثيق. ويؤكد أن برامج التعاون الدولي في المجال التوثيقي ليست امتيازًا إداريًا، بل حق مهني، هدفه نقل الخبرات وتوطين التجارب عبر آليات التقاسم والتملك المؤسساتي.
الأخطر، وفق اللجنة، أن هذا الإقصاء لا يحرم المهنيين فقط من التطوير، بل يحرم المؤسسة من تحسين صورتها الخارجية عبر كفاءات مؤهلة قادرة على تمثيلها بشكل مشرف.
العبث بالمنظومة المعلوماتية… خطر صامت
من بين النقاط الأخطر التي يثيرها البلاغ، حرمان المودعين من الولوج إلى السجل الوطني البيبليوغرافي لثلاث سنوات متتالية (2023-2025)، إضافة إلى ما وصفه بـالمغامرة غير المحسوبة بالبيانات البيبليوغرافية الوطنية عبر منصة مفتوحة المصدر “كوها”، دون تأمين كافٍ لمنظومة معلومات سيادية يفترض أن تخضع لأقصى درجات الحماية.
هنا، يتحول النقاش من مطلب مهني إلى قضية أمن معلومات وذاكرة وطنية.
تضخم إداري بلا مردودية… ومفارقة “التوظيف الاسمي”
البلاغ لا يعفي الوزارة من المسؤولية، ويذكّر بمباركتها، حسب تعبيره، لعمليات تفويت مناصب في يناير 2024، أدت إلى تضخم ما يسميه المهنيون “الهيكل الإداري الوهمي”.
ورغم ملء الفراغات شكليًا، فإن الأداء، كما تقول اللجنة، ازداد تأزمًا، ما يطرح سؤال الجدوى، ويعزز فرضية التعيينات “عن بعد” دون أي عائد تدبيري أو حكامتي.
وتذهب اللجنة أبعد من ذلك، معتبرة أن الحل الوحيد للخروج من الشلل الحالي هو إعادة هيكلة جذرية تقوم على تقليص ومركزة البنيات (Le downsizing)، وهو خيار تؤكد أنه موصى به ضمنيًا في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وليس نزوة نقابية أو دعوة فوضوية.
هيأة الإعلاميين… معركة الكرامة المهنية
في قلب كل هذا، تضع اللجنة مطلبًا تعتبره جوهريًا: إعادة التنصيص على هيئة الإعلاميين ومهن الكتاب في النظام الأساسي. فغياب هذه الهيئة، حسب البلاغ، شكّل مدخلًا لتصفية إدارية “بدم بارد”، وفتح الباب أمام الابتزاز والتهميش.
كما تطالب بالإفراج عن حق الإلحاق داخل القطاع والمؤسسات العمومية، وترسيم التعويض التكميلي الحالي كتعويض سكن، باعتباره حقًا اجتماعيًا لا امتيازًا ظرفيًا.
نحو “الكتاب الأسود للانحراف الإداري”
ختام البلاغ لم يكن أقل حدة، إذ أعلنت اللجنة عن قرب صدور “الكتاب الأسود للانحراف الفراقشي”، الذي يوثق، بحسبها، لسنتين من الاختلالات الممتدة بين دجنبر 2023 ودجنبر 2025، داعية المهنيين إلى اليقظة والانخراط تحسبًا لأي تصعيد نضالي في حال استمرار الإدارة في تجاهل صوت الفاعلين الحقيقيين داخل المؤسسة.
والسؤال الذي يختصر كل هذا الجدل يبقى معلّقًا: كيف يمكن ترميم الممرات الرخامية، بينما نفسيةل المهنيين والمهنة نفسها في حالة تصدّع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد