التعليم بين خطاب الطمأنة وواقع الاختلال والوزير برادة يدفع بالأرقام بديلاً عن المحاسبة

هبة زووم – محمد خطاري
مرة أخرى، يعود قطاع التربية الوطنية إلى واجهة الجدل البرلماني، ليس بسبب إنجاز تربوي نوعي أو تحول ملموس في واقع المدرسة العمومية، بل بسبب اتهامات بتسييس التعيينات وتدبير الصفقات، وردٍّ حكومي اختار منطق النفي والأرقام بدل فتح نقاش مؤسساتي شفاف حول الحكامة والمسؤولية.
وزير التربية الوطنية، محمد سعد برادة، واجه انتقادات برلمانية بنبرة دفاعية قوية، معتبراً أن المعطيات المقدمة “غير صحيحة”، وأن إثارة الموضوع تمس بكرامة 350 ألف إطار تربوي.
غير أن هذا المنطق، وإن بدا أخلاقياً في ظاهره، يطرح إشكالاً مقلقاً: متى أصبح مساءلة الوزارة مساًّ بنساء ورجال التعليم؟ ومتى تحوّل النقد البرلماني إلى “تبخيس” لا يُسمح به؟
قضية التعيينات في قطاع حساس كالتعليم ليست تفصيلاً إدارياً، ولا شأناً ثانوياً يمكن تطويقه بجملة نفي عابرة داخل جلسة عمومية، فالرأي العام لا ينتظر تطمينات خطابية، بل معايير واضحة، منشورة، وقابلة للمراقبة، تضمن تكافؤ الفرص، وتُبعد شبهة التوظيف السياسي عن مدرسة يُفترض أن تكون فضاءً محايداً.
إن نفي التسييس لا يكتسب مشروعيته إلا عندما يكون مقروناً بآليات شفافة، لا عندما يُربط تلقائياً بأي انتقاد باعتباره استهدافاً جماعياً لمنظومة بكاملها.
أما بخصوص الصفقات العمومية، فقد قدّم الوزير رقماً لافتاً: 400 مليون درهم وفراً مقارنة بالحكومات السابقة. رقم قد يبدو إيجابياً في ظاهره، لكنه يظل مبتور الدلالة في غياب توضيح أثره الفعلي على جودة التعليم، وعلى شروط الاشتغال داخل المؤسسات التعليمية.
فالتوفير المالي، حين لا تُترجم إلى تقليص الاكتظاظ، أو تحسين البنية التحتية، أو الرفع من جودة التعلمات، تتحول إلى مجرد مؤشر محاسباتي لا يعكس بالضرورة نجاعة السياسات العمومية، بل قد يخفي خلفه تأجيلاً للإصلاح أو إعادة تدوير للأزمة.
إعلان الوزير أن 80 في المائة من المؤسسات الابتدائية سترتقي إلى نموذج “المؤسسات الرائدة” مع بداية الموسم المقبل، يعيد إنتاج خطاب الوعود الكبرى الذي اعتاد عليه قطاع التعليم منذ سنوات. غير أن السؤال الجوهري يظل معلقاً: أين التقييم؟ وأين الأثر؟
فدون تقارير مستقلة، ودون إشراك الفاعلين التربويين، يبقى هذا المفهوم شعاراً فضفاضاً، يُستهلك إعلامياً أكثر مما يُختبر ميدانياً، في قطاع أنهكته التجارب غير المكتملة والإصلاحات المتعاقبة بلا تراكم.
ما يكشفه هذا السجال البرلماني هو أن التعليم ما يزال ساحة تجاذب سياسي، تُستعمل فيه الأرقام كدروع دفاعية، وتُؤجَّل فيه الأسئلة الحقيقية حول استقلال القرار التربوي وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الدفاع عن المدرسة العمومية لا يكون بتحصين الوزارة من النقد، ولا بتخوين الأسئلة، بل بفتح الملفات، وتقديم المعطيات، وقبول الرقابة البرلمانية والإعلامية باعتبارها جزءاً من البناء الديمقراطي، لا تهديداً له.
فالتعليم، كما تثبت الوقائع، لا يحتاج مزيداً من الطمأنة الخطابية، بل إلى شجاعة سياسية تعترف بالاختلال قبل البحث عن تسويقه كنجاح.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد