الأمازيغية خارج القطار والطائرة أو حين يُقصى الدستور من مرافق النقل

هبة زووم – الرباط
رغم مرور أكثر من عقد على دسترة اللغة الأمازيغية كلغة رسمية للدولة، ورغم صدور القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل طابعها الرسمي، ما تزال هذه اللغة غائبة أو شبه غائبة عن عدد من المرافق العمومية الحيوية، وفي مقدمتها خدمات النقل السككي والجوي، في مفارقة صارخة بين النص الدستوري والممارسة اليومية.
هذا الاختلال أعاد إلى الواجهة، من داخل المؤسسة التشريعية، سؤال احترام الدولة لالتزاماتها الدستورية، بعدما وجّه المستشار البرلماني خالد سطي، عن نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، سؤالًا كتابيًا إلى وزير النقل واللوجستيك، نبّه فيه إلى ضعف تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية داخل مرافق المكتب الوطني للسكك الحديدية ومطارات المملكة، وخاصة على مستوى خدمات الإرشاد الصوتي والتشوير.
في محطات القطار، داخل العربات، وفي مطارات المملكة، يتكرس واقع لغوي إقصائي، حيث تهيمن لغتان فقط على النداءات الصوتية ولوحات الإرشاد، في تجاهل غير مبرر للغة رسمية يفترض أن تحظى بالمكانة نفسها، واقعٌ لا يمكن تبريره باعتبارات تقنية أو مرحلية، بقدر ما يعكس، وفق متتبعين، خللًا بنيويًا في تنزيل السياسات اللغوية العمومية.
الأكثر دلالة على هذا الخلل، كما ورد في سؤال المستشار البرلماني، هو استمرار غياب الأمازيغية عن الخطوط الجوية الداخلية، التي يفترض فيها، من حيث المبدأ، أن تعكس اللغات الرسمية الوطنية قبل أي اعتبار آخر.
فكيف يمكن الحديث عن تفعيل دستوري متقدم، في وقت لا يسمع فيه المواطن الأمازيغي لغته داخل طائرة وطنية أو في محطة قطار داخل بلده؟
ولا يتعلق الأمر هنا بمطلب ثقافي أو رمزي معزول، بل بحق دستوري صريح، نص عليه الفصل الخامس من الدستور، وتم تفصيله في القانون التنظيمي رقم 26.16، الذي ألزم القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية بإدماج الأمازيغية تدريجيًا في مختلف مجالات الخدمة العمومية، بما فيها النقل والخدمات الموجهة للمرتفقين.
غير أن هذا “التدرج” تحوّل، عمليًا، إلى ذريعة لتأجيل التنفيذ دون آجال واضحة أو مؤشرات تقييم ملموسة. وهو ما جعل سؤال خالد سطي يكتسي بعدًا سياسيًا ومؤسساتيًا، باعتباره مساءلة مباشرة لوزارة النقل واللوجستيك حول مدى التزامها بتنزيل مقتضيات الدستور، بدل الاكتفاء بخطاب رسمي لا يجد طريقه إلى الواقع.
وتزداد المفارقة حدة حين نعلم أن مرافق السكك الحديدية والمطارات تُعد واجهات سيادية تعكس صورة المغرب وهويته المتعددة. فالدولة التي تعلن، في وثائقها الرسمية، تبنيها للتعدد اللغوي، مطالبة بترجمته في فضاءات العبور اليومية، لا أن تحصره في الخطب والاحتفالات الرسمية.
إن استمرار إقصاء الأمازيغية من هذه المرافق لا يسيء فقط إلى لغة رسمية، بل يضرب في العمق مبدأ المساواة بين المواطنين، ويُفرغ الدستور من روحه الإلزامية، محولًا إياه إلى مرجعية شكلية لا تُحتكم إليها عند التنفيذ.
من هنا، يطرح السؤال الذي تقدم به المستشار البرلماني خالد سطي إشكالية أكبر: إلى متى سيظل تفعيل الحقوق الدستورية خاضعًا لمنطق الانتقائية؟ وأين تقف مسؤولية وزارة النقل واللوجستيك في فرض احترام القانون داخل المؤسسات التابعة لها؟
إن الأمازيغية ليست ترفًا لغويًا ولا مطلبًا فئويًا، بل مكونًا أصيلًا من هوية الدولة المغربية. وإبقاؤها خارج القطار والطائرة هو، في جوهره، إبقاء الدستور نفسه خارج الخدمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد