قيوح يدافع عن جودة الخطوط الملكية والركاب يسألون: أي جودة هذه التي تُقاس بطائرات جديدة ووجبات مغربية؟

هبة زووم – الرباط
في مشهد يُعيد تعريف الدفاع عن المستحيل بأبشع معانيه، خرج عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجستيك، ليدافع عن جودة الخدمات التي تقدمها الخطوط الملكية المغربية، معتبراً أن الشركة عززت جهودها من أجل الارتقاء بها على مستويات متفرقة.
دفاع لا يُثير فقط الاستغراب، بل يطرح سؤالاً جوهريا، فإذا كانت الجودة حقيقة مُطلقة فلماذا لا تزال شكاوى المسافرين تتوالى كأوراق خريف؟ وأي معايير هذه التي تُقاس بها جودة الطيران بينما يُترك الراكب يواجه واقعاً مختلفاً تماماً؟
فبينما يُعلن الوزير عن تجديد 60% من الأسطول وخدمة الإنترنت والوجبات المغربية الأصيلة، يجد المسافر نفسه أمام تأخيرات مزمنة وأمتعة ضائعة وخدمة عملاء صماء.
مشهد لا يُهدر فقط ثقة المواطنين، بل يُرسّخ ثقافة الخطاب الرسمي البعيد عن الواقع التي لطالما عانت منها القطاعات العمومية في المغرب.
وفي هذا السياق، أفاد قيوح في جوابه على سؤال للفريق الحركي بمجلس النواب أن الشركة قامت بتجديد حوالي 60 في المائة من أسطولها خلال السنوات الأخيرة، وذلك عبر اقتناء طائرات جديدة مصنفة ضمن آخر الابتكارات في مجال الطيران المدني ومجهزة بخدمة الإنترنت.
لكن هذا الإنجاز التقني يطرح إشكاليات جوهرية: إذا كانت الطائرات جديدة ومبتكرة فلماذا لا تنعكس على جودة الخدمة الفعلية التي يعيشها الراكب؟ وأين هي إحصائيات رضا المسافرين التي تقيس أثر هذا التجديد على تجربة المستخدم الحقيقية؟ وكيف يمكن تبرير الاستثمار في الطائرات بينما تُترك خدمة ما بعد البيع ومعالجة الشكاوى في أدنى مستوياتها؟
فتحويل التجديد التقني من فرصة لراحة الراكب إلى ورقة دعائية لا يُهدر فقط المال العام، بل يُرسّخ ثقافة الاستثمار في الصورة لا في الجوهر التي لطالما عانت منها المقاولات العمومية.
وزاد الوزير أن الشركة توفر نظام الترفيه RAM Media على العديد من طائراتها، والذي يقدم مجموعة مختلفة من البرامج الإخبارية والأفلام والخدمات المرتبطة ببرنامج الولاء Safar Flyer، فضلا عن إطلاق مجلة SAFAR MAGAZINE على متن الطائرات.
هذه الوعود الترفيهية تطرح أسئلة محرجة: لماذا يشكو العديد من المسافرين من تعطل أنظمة الترفيه في رحلات يفترض أن تكون مجهزة بأحدث التقنيات؟ وأين هي صيانة دورية لهذه الأنظمة لضمان اشتغالها الفعلي وليس فقط وجودها النظري؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في خطاب الجودة بينما يجد نفسه أمام شاشات معطلة وسماعات غير صالحة؟
فتحويل الخدمات الترفيهية من حق للراكب إلى ديكور دعائي لا يُهدر فقط تجربة السفر، بل يُعمّق شعور المواطنين بالاستغلال التسويقي الذي يُقدم الوعود على الالتزام.
كما عملَت الشركة، يقول الوزير، على تجديد محتوى الوجبات المقدمة على متن الطائرة بوجبات مغربية أصيلة، حيث تعتبر من بين شركات الطيران القلائل التي تقدم وجبات على مستوى الرحلات القصيرة، لكن تحويل الوجبات المغربية من فخر وطني إلى ورقة تسويقية لا يُهدر فقط فرص التميز، بل يُرسّخ ثقافة الشكل على حساب المضمون التي لطالما عانت منها الخدمات العمومية.
وعلى مستوى المطارات، قال المسؤول الحكومي إن لارام افتتحت سنة 2025 قاعة جديدة لرجال الأعمال بمطار محمد الخامس لتنضاف إلى القاعتين الموجودتين في مطار مراكش المنارة ومطار أورلي بباريس.
هذا الامتياز للنخبة يطرح سؤالا استنكاريا: لماذا لا تستفيد الطبقة المتوسطة من المسافرين من خدمات لائقة في المطارات؟ وأين هي استثمارات الجودة التي تُحسن ظروف انتظار جميع المسافرين، لا فقط رجال الأعمال؟ وكيف يمكن ضمان عدالة الخدمات بينما تُحجز أفضل المرافق لفئة محدودة؟
فتحويل الاستثمار في البنية التحتية من حق للجميع إلى امتياز للخواص لا يُهدر فقط مبدأ المساواة، بل يُعمّق شعور المواطنين بالتمييز الخدمي الذي يُحوّل المطار من فضاء عمومي إلى ساحة طبقات.
كما توفر أجهزة الخدمة الذاتية للتسجيل، والتي تمكن الزبناء من الحصول على بطاقة الصعود إلى الطائرة بسرعة مع تقليص مدة الانتظار.
لكن هذا الوعود التقنية يصطدم بواقع مؤلم: لماذا يشكو المسافرون من تعطل الأجهزة الذاتية أو صعوبة استخدامها؟ وأين هي المواكبة البشرية لمساعدة المسافرين غير الملمين بالتقنية؟ وكيف يمكن ضمان فعالية الخدمة بينما تُترك الأعطال التقنية دون معالجة فورية؟
فلم يعد مقبولاً أن تُترك جودة خدمات الخطوط الملكية رهينة الخطاب الرسمي والوعود الإعلامية، ما يحتاجه المسافرون والمهتمون بالشأن الجوي اليوم هو: شفافية راديكالية في نشر مؤشرات جودة الخدمة، بما في ذلك نسب التأخير، فقدان الأمتعة، ورضا المسافرين، آليات فعالة لمعالجة الشكاوى، مع ضمان استجابة سريعة وتعويض عادل للمتضررين من أي اختلال، مع استثمار متوازن يخدم جميع فئات المسافرين، لا فقط رجال الأعمال أو الدرجات العليا.
وفي الأخير، يمكن القول على أن ما يعيشه المسافرون مع ملف الخطوط الملكية ليس خللا تقنياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة العمومية وقدرة الوزير قيوح على تجاوز عقلية الدفاع عن الصورة لخدمة المصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد