هبة زووم – الرباط
بينما تُقدَّم نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 كواجهة مشرفة لقدرة المغرب التنظيمية، تتكشف في الكواليس صورة أقل بريقًا، عنوانها مقاولات صغرى ومتوسطة تُدفع نحو “الإعدام المالي” بعد أن أدّت دورها اللوجستيكي كاملاً، ثم تُركت وحيدة في مواجهة التماطل، والضغط، وممارسات تطرح أكثر من علامة استفهام حول نزاهة سلاسل المناولة المرتبطة بالتظاهرة.
في مدينة فاس، ومعها مقاولات نقلية مقرها بمكناس، يتحدث مهنيون عن اختلالات خطيرة في تدبير التعاقد من الباطن، حيث أسندت شركات كبرى حائزة على صفقات فرعية مهام النقل والتأطير اللوجستيكي لمقاولات صغرى، استُخدمت معداتها ومواردها البشرية تحت الهوية البصرية للشركات الأم، قبل أن تجد نفسها لاحقًا في مواجهة تماطل غير مبرر في صرف المستحقات المالية.
المعطيات المتداولة وسط المهنيين لا تقف عند حدود التأخر الإداري، بل تتجاوزها – حسب ما يُتداول – إلى ممارسات أخطر، من بينها فرض مقايضات غير قانونية تتعلق بالضريبة على القيمة المضافة (TVA)، حيث يُطلب من بعض المقاولين التنازل عن جزء من مستحقاتهم الضريبية مقابل الإفراج عن الدفعات العالقة.
ممارسات، إن صحت، لا تضع المقاول الصغير فقط أمام مأزق مالي خانق، بل تزج به في مخاطر قانونية وضريبية، وتحوله من شريك مهني إلى ضحية محتملة لمنطق “خذ أو اترك”، في غياب أي حماية تعاقدية فعلية.
الأخطر في هذا الملف هو ما يعتبره مهنيون تنصّلًا واضحًا للشركات الأم من مسؤوليتها التضامنية. فهذه الشركات، التي استفادت من الصفقات الأصلية ومن صورة النجاح التنظيمي، لم تتحمل – حسب نفس المصادر – مسؤولية ضمان حقوق شركائها الميدانيين، وتركتهم عالقين في متاهة التعاقد مع وسطاء، دون ضمانات ولا آجال واضحة للأداء.
وهو ما يكرس منطقًا مختلًا في تدبير الصفقات الكبرى: القيمة تُنتَج في الميدان والضغط يُمارَس على الحلقة الأضعف.
في هذا السياق، تبرز المسؤولية المعنوية والمؤسساتية للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بصفتها الجهة الوصية على دفاتر التحملات، والمشرفة على منظومة تنظيم “كان 2025”.
فنجاح التظاهرة لا يُقاس فقط بسلاسة المباريات وجودة الملاعب، بل أيضًا بـنزاهة سلاسل التوريد والمناولة، وضمان احترام حقوق المقاولات الوطنية، خصوصًا الصغرى منها.
إن غياب آليات صارمة لتتبع كيفية صرف المستحقات عبر مختلف مستويات التعاقد، يفتح الباب أمام اختلالات تدبيرية تمس جوهر الحكامة الجيدة، وتُفرغ خطاب “المقاولة المواطنة” من مضمونه، وتحول التظاهرات الكبرى إلى فرص ربح للبعض وخسارة وجودية للبعض الآخر.
أمام خطورة هذه المعطيات، تتعالى الدعوات إلى تدخل عاجل للجهات الرقابية والضريبية لفتح تحقيق جدي في الادعاءات المتداولة، إلزام الشركات الكبرى بتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية تجاه المقاولات التي اشتغلت تحت لوائها، مع مراجعة نمط التعاقد من الباطن في التظاهرات الكبرى، بما يضمن الأداء في آجاله ويحمي المقاول الصغير من الابتزاز والاختناق المالي.
فـ”كان 2025″ لا يجب أن يُسجَّل فقط كنجاح تنظيمي، بل كاختبار حقيقي لمدى عدالة المنظومة الاقتصادية المصاحبة له، أما إذا استمر الصمت، فإن الكلفة لن تكون مالية فقط، بل صورة دولة تراهن على الكبرى… وتنسى من صنعوا النجاح في الهامش.
تعليقات الزوار