هبة زووم – محمد الداودي
تحت شعار “التمويلات البديلة: رافعة لتعزيز دور المجتمع المدني في التنمية”، نظمت الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان المنتدى الوطني السادس، يومي 13 و14 فبراير 2026، بإحدى قاعات مقر مجلس جهة درعة تافيلالت، بدعم من GIZ.
المنتدى، الذي حضره الوزير الوصي إلى جانب رئيس الجهة والكاتب العام للعمالة، عرف مشاركة وازنة لما يقارب 340 جمعية مدنية، في مقابل غياب لافت للبرلمانيين ولأغلب المنتخبين، في مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى التزام التمثيلية السياسية بمواكبة النقاشات المرتبطة بأدوار المجتمع المدني في التنمية.
كما تميز المنتدى بتنظيم معرض ضم 11 مؤسسة وشركة، وبحضور ممثل عن بنك المغرب، إلى جانب منصتين رقميتين للتمويل، ما يعكس الرغبة في ربط العمل الجمعوي بالتحولات الجديدة التي يعرفها مجال التمويل الدامج والبديل.
خطاب رسمي إيجابي… وتنزيل يطرح أسئلة
في كلمته الافتتاحية، شدد الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة على أن اختيار جهة درعة تافيلالت لم يكن اعتباطياً، بل نابعاً من غنى نسيجها الجمعوي وحيويته، مشيداً بالمبادرات التي تقودها الجمعيات المحلية من أجل تنمية الجهة، غير أن هذا الخطاب الإيجابي سرعان ما اصطدم، في الممارسة، بجملة من الإكراهات التنظيمية والمنهجية.
فالجلسة العلمية لليوم الأول، التي خصصت لموضوع “الإطار القانوني والمؤسساتي للتمويلات البديلة”، ورغم قيمتها الأكاديمية، عانت من ضيق الزمن المخصص للنقاش، ما حدّ من التفاعل العميق مع مداخلات كل من ممثل بنك المغرب ومسؤول برنامج دعم التمويل الدامج بالتعاون الألماني.
ورشات بلا شروط الورشات
اليوم الثاني، الذي كان من المفترض أن يشكل قلب المنتدى النابض، عبر أربع ورشات موضوعاتية، كشف عن اختلالات تنظيمية واضحة.
فقد نظمت الورشات داخل قاعات ضيقة لا تسمح بنقاش تشاركي حقيقي، ما حولها عملياً إلى ندوات مصغرة ذات طابع عمودي، بدل فضاءات أفقية لتبادل الأفكار وصياغة تصورات جماعية.
الأكثر إثارة للانتباه أن عدد الجمعيات المشاركة فعلياً في الورشات لم يتجاوز في المتوسط 40 جمعية لكل ورشة، ما يعني أن أكثر من نصف الجمعيات الحاضرة في الجلسة الافتتاحية لم تشارك في النقاشات الأساسية، وهو ما يفرغ من حيث المبدأ فلسفة “المشاركة الواسعة” التي يُفترض أن تؤطر مثل هذه المنتديات.
غياب الجهوية المتقدمة وإشكال اللغة
من بين الملاحظات الجوهرية أيضاً، غياب تأطير صريح للورشات بمفهوم الجهوية المتقدمة باعتبارها آلية دستورية مركزية في تنزيل المشاريع التنموية، خاصة تلك المرتبطة بالتمويلات البديلة والدامجة، وهو غياب يُضعف الربط بين النقاش النظري والواقع الترابي للجهة.
كما أثار طغيان اللغة الفرنسية في بعض العروض امتعاض عدد من الفاعلين الجمعويين، الذين لا يتقنون سوى العربية أو الأمازيغية، ما طرح إشكال الإقصاء اللغوي داخل فضاء يُفترض أن يكون دامجاً ومنفتحاً على مختلف مكونات المجتمع المدني.
مبادرة مهمة… تحتاج إلى جرأة مؤسساتية
ورغم هذه الملاحظات، يبقى المنتدى مبادرة إيجابية تسهم في تعزيز الوعي بدور المجتمع المدني في التنمية، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الجمعيات لاستكشاف آليات تمويل مبتكرة، وتبادل التجارب بما يخدم الاقتصاد المحلي بجهة درعة تافيلالت.
غير أن إنجاح هذه المبادرة مستقبلاً يظل رهيناً بمدى الالتزام بتنفيذ التوصيات، خصوصاً في ما يتعلق بالتمويل، والتأطير، والتكوين، والمواكبة المستمرة.
ولعل أبرز توصية غابت عن الورشات، وتفرض نفسها بإلحاح، هي التفكير في إضفاء شرعية مؤسساتية أقوى على المجتمع المدني، عبر إحداث مجالس إقليمية وجهوية للمجتمع المدني، تضطلع بأدوار دستورية واضحة في التأطير والتوجيه والتتبع، وتشتغل في إطار شراكة مسؤولة ومدعومة مع الدولة.
فإذا كان المجتمع المدني، كما أكد الوزير، شريكاً فعلياً في تنزيل السياسات العمومية، فإن اللحظة باتت مواتية للانتقال من منطق الاعتراف الخطابي إلى منطق البناء المؤسساتي.
تعليقات الزوار