هبة زووم – الرباط
في تدوينة رصينة بقدر ما هي نارية، أعاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في النقاش العمومي المغربي، والمتعلق بطبيعة علاقة الدولة بالتيارات الفكرية، وحدود ما يُقدَّم للرأي العام باعتباره “حيادًا” في تدبير الاختلاف الإيديولوجي.
الكنبوري انطلق من ملاحظة يعتبرها مركزية: التيار العلماني في المغرب لا يتعامل مع الدولة بمنطق مبدئي ثابت، بل وفق منطق براغماتي متقلب. فعندما يُهزم في معركة مجتمعية أو تشريعية، سرعان ما يهاجم الدولة ويتهمها بالتحالف مع المحافظين، أما عندما يحقق مكاسب، “وكثيرًا ما ينجح”، فإنه يتحول إلى مدافع شرس عن الدولة، ويمنحها صك “الحداثة” والتقدم.
وفي سياق النقاش الدائر حول تعديل مدونة الأسرة، توقف الكنبوري عند خطاب بعض الأصوات المحسوبة على الإلحاد الراديكالي، والتي ترى أن الدولة عدّلت المدونة استجابة “للواقع المتغير”، وتنفي خضوعها لأي ضغط علماني. غير أن الباحث يعتبر هذا الطرح محاولة لتبييض مسار سياسي وفكري لا يحتاج، حسب تعبيره، إلى كثير من البرهنة.
فالخضوع، في نظره، “أمر لا يحتاج إلى بيان”، ما دام وزير الأوقاف نفسه قد صرّح بأن الدولة علمانية، وهو تصريح يراه الكنبوري كافيًا لإغلاق باب الإنكار، ومؤشرًا على وجود تحيز بنيوي داخل المشهد السياسي والثقافي لصالح التيار العلماني.
لكن أخطر ما في تدوينة الكنبوري لا يكمن فقط في توصيفه للمشهد، بل في الأسئلة التي يطرحها بجرأة. من يشجع هذا التيار؟ من يفتح له المنابر؟ من يدعمه ماليًا وإعلاميًا؟ ولماذا يتمتع بهامش تعبير وتأثير واسع، في مقابل تضييق غير معلن على الأصوات المحافظة أو الإسلامية؟
هذه الأسئلة تقود، وفق الكاتب، إلى إحساس متنامٍ بـ”الغربة” داخل الوطن، حيث يشعر جزء من المجتمع أنه يُستدعى فقط عند الحاجة، للدفاع عن “ثوابت الأمة”، بينما يُسمح في الوقت نفسه بانتهاك تلك الثوابت تحت سمع وبصر المؤسسات نفسها.
تدوينة الكنبوري تضع الإصبع على جرح قديم يتجدد: هل تتعامل الدولة مع التيارات الفكرية بمنطق التوازن والإنصاف، أم بمنطق الاستعمال الوظيفي؟ وهل للمحافظين والإسلاميين نفس الحق في التعبير والتأثير الذي يُمنح لخصومهم الإيديولوجيين، أم أنهم مجرد “كتلة جماهيرية احتياطية” تُستحضر عند الحاجة وتُهمّش عند الاختلاف؟
في العمق، لا تهاجم التدوينة الدولة بقدر ما تفضح ازدواجية الخطاب، وتطالب بنقاش صريح حول طبيعة المشروع المجتمعي، وحدود الحياد، ومعايير العدالة في تدبير التعدد الفكري. نقاش يبدو مؤجلاً، لكنه يفرض نفسه بقوة كلما طُرحت قضايا تمس هوية المجتمع وخياراته القيمية.
تعليقات الزوار