هبة زووم – حسن لعشير
كشف عادل بنونة، رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس جماعة تطوان، عن ظاهرة متفشية وخطيرة في أسواق الشمال المغربي تتعلق ببيع يرقات السمك المعروفة محلياً بـ”الشنغيتي” (Chinguité)، محذراً من أن استمرار هذه الممارسة غير القانونية يُشكل “استنزافاً مباشراً لمخزون وطني في طور التكوين”، في وقت تبدو فيه النصوص القانونية الرادعة حبراً على ورق أمام واقع السوق المتفلت من كل رقابة.
واستند بنونة في تحذيره إلى معطيات ميدانية وعلمية، مُذكّراً بأنه نبّه إلى هذه الظاهرة منذ سنتين، قبل أن يعيد اليوم دق ناقوس الخطر، واصفاً إياها بـ”ظاهرة أكثر خطورة وتفشت بشكل مذهل، كأن القانون المانع لبيع هذا النوع من الرخويات غير معترف به”، وليست هذه مجرد “مخالفة صيد عابرة”، بل هي أزمة بيئية واقتصادية واستراتيجية تمس الأمن الغذائي للمغرب وتُهدد مستقبل قطاع الصيد بأكمله.
لا يقتصر خطر ظاهرة بيع يرقات السمك على الجانب القانوني فحسب، بل يمتد إلى بعد بيئي وجودي، فهذه اليرقات تُنتزع من البحر في بداياتها الأولى، قبل أن تبلغ حجم التكاثر، مما يعني القضاء على جيل كامل من الأسماك قبل أن يُكمل دورة حياته الطبيعية.
والأكثر إيلاماً أن هذه اليرقات تُباع بأثمان زهيدة في الأسواق، في مشهد يُجسّد “منطقاً خطيراً”: الربح السريع والمحدود مقابل التضحية بالمستقبل والثروة الوطنية.
فكيف يمكن الحديث عن “استدامة الصيد” و”الحفاظ على المخزون السمكي”، بينما يُسمح بتسويق جيل كامل من الأسماك علناً، قبل حتى أن يُكمل نموه؟ إن كل يرقة تُباع اليوم تعني سمكة مفقودة غداً، وكل طبق “شنغيتي” يُستهلك يعني ضغطاً إضافياً على المخزون السمكي الوطني الذي يعاني أصلاً من تحديات الاستنزاف والتغير المناخي.
ويُشير عادل بنونة إلى تناقض صارخ بين “الخطاب الرسمي” و”واقع الممارسة”، حيث تُرفع شعارات الراحة البيولوجية، وتتبع السفن، والاستدامة الاستراتيجية، بينما في الواقع “تُستعمل شباك محظورة ويُسوَّق جيل كامل من الأسماك علناً”.
والسؤال الجوهري الذي يطرحه بنونة بقوة: ما جدوى النصوص إذا لم تُفعَّل؟ وما قيمة الشعارات إن كانت تُرفع في البحر وتُسحب في السوق؟
استمرار هذه الازدواجية لا يُضعف فقط مصداقية السياسات العمومية اليوم، بل يُرسّخ ثقافة “الإفلات من العقاب” التي تُشجع على تكرار المخالفات، وتُحوّل القوانين البيئية إلى مجرد “ديكور إداري” لا يردع المخالفين ولا يحمي الثروات الوطنية.
لا تُحمّل تدوينة بنونة المسؤولية لطرف واحد، بل ترسم خريطة واضحة للجهات المعنية التي يقع على عاتقها وقف هذه الظاهرة، فتأتي في المقدمة وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، باعتبارها الجهة الوصية على القطاع، والمكلفة بسن القوانين التي تحدد الأحجام الدنيا المسموح بصيدها، وتجريم استعمال معدات معينة، وتنص على عقوبات رادعة، لكن “ضعف التنزيل يفرغ هذه المقتضيات من مضمونها”.
كما تتحمل مصالح المراقبة البحرية مسؤولية ضبط أدوات الصيد المحظورة ومنع تسويق المصطادات غير القانونية، فتُطرح هنا أسئلة محرجة: لماذا لا تُوقف الشباك التي تصطاد اليرقات قبل وصولها إلى السوق؟ وأين هي الدوريات البحرية التي كان يفترض أن تمنع هذه الممارسات في منبعها؟
وتتحمل السلطات المحلية بدورها مسؤولية مراقبة الأسواق ومنع عرض يرقات السمك، فأين هي الحملات الميدانية التي كان يفترض أن تمنع هذه التجارة المحرمة؟ كما تقع مسؤولية على عاتق الشرطة الإدارية باعتبارها جهازاً يتولى مهام رقابية، يُفترض أن تكون في الخط الأمامي لمحاربة هذه المخالفات، بالإضافة إلى بعض الوسطاء الذين يحولون “مخالفة بيئية” إلى “نشاط تجاري اعتيادي”، مستغلين ثغرات الرقابة وضعف التطبيق.
ولا يُغفل بنونة دور المجتمع المدني والإعلام في كسر “دائرة الصمت” والتوعية بخطورة الظاهرة، فدورهما لا يقل أهمية عن الدور الرسمي في حماية الثروة السمكية.
هذا، ويُؤكد بنونة أن “المسألة ليست تقنية بل استراتيجية”، فكل طبق “شنغيتي” يُباع اليوم يعني أطناناً أقل من الأسماك غداً، وارتفاعاً في الأسعار بعد سنوات، وضغطاً إضافياً على البحارة الملتزمين بالقانون، وهنا يكمن جوهر الإشكال: الحديث عن الأمن الغذائي لا يبدأ من زيادة كميات الصيد، بل من حماية دورة الحياة البحرية وضمان استدامة المخزون للأجيال القادمة.
فحين نُضحي باليرقات من أجل “وجبة سريعة”، فإننا في الواقع نُضحي بمستقبل قطاع كامل وبأمننا الغذائي الوطني، إن حماية يرقات السمك ليست “رفقاً بالحيوان” كما قد يظن البعض، بل هي استثمار في المستقبل وضمان لاستمرارية مورد رزق آلاف الأسر التي تعتمد على الصيد البحري.
ولم يعد مقبولاً أن تُترك ظاهرة بهذا الخطورة البيئي والاقتصادي تستفحل في ظل “صمت المؤسسات” و”ضعف الرقابة”، فما يحتاجه المغرب اليوم هو إطلاق حملات توعية عاجلة للمستهلكين حول خطورة شراء يرقات السمك، مع توضيح الأبعاد البيئية والاقتصادية لهذه الممارسة، لأن وعي المواطن هو الخط الأول للدفاع عن الثروة السمكية.
كما يتطلب الأمر تعزيز المراقبة الميدانية في الموانئ والأسواق، مع اعتماد فرق مشتركة بين المصالح البحرية والسلطات المحلية والشرطة الإدارية، وتفعيل العقوبات الرادعة المنصوص عليها قانوناً في حق من يصطاد أو يُسوِّق أو يبيع يرقات السمك، لضمان ردع حقيقي يقطع مع ثقافة الإفلات.
ولا بد أيضاً من مراجعة منظومة الرقابة برمتها، للكشف عن الثغرات التي تسمح باستمرار هذه التجارة المحرمة، واقتراح إصلاحات هيكلية، بالإضافة إلى إشراك الصيادين التقليديين في حماية المخزون السمكي، عبر برامج تحسيسية وحوافز تشجع على الصيد المستدام.
خلاصة: إما حزم يُنقذ الثروة السمكية.. وإما استمرار في “النهب المنظم”
ما تعيشه أسواق تطوان ونواحيها مع ظاهرة “الشنغيتي” ليس “خللاً ظرفياً”، بل هو جرس إنذار يُدق في وجه المسؤولين: الثروة السمكية ليست مورداً عابراً ولا غنيمة آنية، بل أمانة وطنية تقتضي الحزم قبل فوات الأوان.
فإما أن تتحرك الجهات المختصة بجدية لوقف هذا “النهب المنظم” ليرقات السمك، وحماية المخزون الوطني، وضمان استدامة القطاع للأجيال القادمة، وإما أن يستمر “نهج اللامبالاة” الذي يُحوّل القوانين إلى “حبر على ورق” ويُهدر ثروة وطنية لا تعوّض.
تعليقات الزوار